تساؤلات
الهروب إلى الموت
>> سنوات طويلة ومصر تمثل مقصداً وملجأ وملاذاً آمناً لكل الإخوة العرب والأفارقة.. الذين يأتون إليها حين تنزل بهم الكوارث والنوائب، لجأ إلينا الأخوة من السودان وإثيوبيا فى زمن اشتدت عليهم المجاعة، فكانت مصر الشقيقة الكبرى التى استوعبتهم حتى بلغ عدد السودانيين أكثر من 2 مليون لاجئ أشقاء مثلنا يقتسمون اللقمة معنا وأولادهم فى مدارسنا وجامعاتنا يعيشون بيننا لا فرق بين مصرى وسوداني.. فقديماً قالوا مصر والسودان حتة واحدة وحين سقط صدام حسين فى العراق خرج ملايين المواطنين هاربين من جحيم الحرب داخلها وجاء مئات الآلاف منهم إلى القاهرة وسكنوا مدينة 6 أكتوبر
.. عاشوا معنا كأسرة واحدة ولم نشك ولم نئن رغم قسوة الحياة المعيشية التى نعانيها، مئات الآلاف من السوريين لجأوا إلى مصر، ولم توصد أبوابها فى وجه أحد، عاشوا وسكنوا وأكلوا عيشنا، وعملوا معنا ومنهم من شق طريق النجاح إلى مشروعات لتشغيل المصريين والسوريين ومطاعم ومصانع ومحال حلويات وأصبحت مصر بلدهم الأول، بعد أن سقطت سوريا فى براثن التقسيم والمؤامرات الدولية.. جاء الليبيون واليمنيون بمئات الآلاف وعاشوا معنا أشقاء يقتسمون اللقمة معنا.. ومنهم من عمل ونجح بمشروعاته الصغيرة.. أصبح الجميع منا فهذا قدر مصر وعظمتها التى تفتح أبوابها لكل محتاج حتى بلغ عدد اللاجئين إليها نحو 5 ملايين لاجئ دون تفرقة بين هجرة مشروعة وغير مشروعة.
>> فى الوقت نفسه ومنذ الستينيات وقبلها قدمت مصر الأطباء والمدرسين والمهندسين إلى السعودية والكويت وغيرها من الدول العربية للمساهمة فى التنمية الاقتصادية عن طيب خاطر دون انتظار أجر منها، وقبل حدوث الطفرة البترولية بعد حرب أكتوبر 1973 سافر ملايين المصريين للعمل فى ليبيا والعراق والكويت والسعودية والإمارات وقطر والبحرين وعمان، وأصبحت العمالة المصرية هى الركيزة الأولى فى سوق العمل هناك، حتى دخلت دول مثل الهند وباكستان وتايلاند ولبنان وسوريا منافسة للعمالة المصرية، واستطاعت سحب البساط من تحت أقدامها.. لنتراجع إلى الخلف بسبب سوء ما نقدمه من عمال وفنيين ومهنيين سبقتنا إليهم عمالة الدول الأخرى التى تفوقت بعنصر الجودة والطاعة.. ورغم الظروف الاقتصادية فى تلك الدول بعد انهيار سعر البترول لا تزال تجتذب بعض العمالة المصرية بأسعار متدنية واللي مش عاجبه يرحل، وبدأ الشباب المصرى يحلم بالهجرة إلى أوروبا وأمريكا، وقد كنا نلجأ للسفر إليها فى السبعينيات وأوائل الثمانينيات فى إجازة الصيف لتحقيق بعض الأموال لإنفاقها خلال العام الدراسى الجامعى.
>> كانت أوروبا مقصداً للطلبة المصريين خلال الصيف، وكنا نرجع ولا نهرب لاستكمال تعليمنا، والآن أصبحت مصر كلها وخاصة الشباب يريدون الهجرة والعمل فى أوروبا بطريقة مشروعة أو غير مشروعة.. وبعد أن أصبحت مقصداً لكل أنواع المهاجرين السوريين والأفارقة والليبيين، والنتيجة مركب صغير لا يتحمل الإبحار فى أعالى البحار وكارثة محققة تزهق فيها أرواح المئات يومياً غرقاً فى عرض البحر أو مع وصولهم قرب السواحل الإيطالية واليونانية وجنوب فرنسا. كارثة مركب رشيد لم ولن تكون الأخيرة بسبب الرغبة فى الثراء السريع، فمن ينجح فى التسلسل إلى تلك البلاد يستطيع تحقيق ثروة يشترى بها أرضا ويقيم فيلا فى قريته، لذلك أصبح حلم الثراء يداعب خيال الأطفال والشباب والكبار الكل «عاوز يهج» حتى ولو كان سيلقى حتفه غرقاً اعتماداً على مثل آه لو لعبت يا زهر، وبكل أسف الموت هو الأقرب والأسرع، حدث حين تم شحن أكثر من 300 شخص منهم أسر كاملة فى مركب لا يستطيع الإبحار بمثل هذا العدد، فكانت الكارثة المروعة غرق أكثر من 170 شخصاً أطفال وشباب ونساء، الحياة قاسية فى مصر والبطالة فى تزايد مستمر ورغم ذلك فهذا ليس مبرراً لأن نبيع ما نملك من أجل الهروب إلى الموت على سواحل مصر وليبيا وإيطاليا واليونان.. يا حكومتنا أعيدوا لنا ثقتنا فى وطننا، نريد أن نعمل حتى لا يكون الموت غرقاً قدرنا.. افتحوا أبواب مصر لشبابها كما ترحبون بالإخوة العرب.. ساعدوا الشباب بفرص عمل وحياة كريمة حتى لا يصبح شعارهم الهروب إلى الموت.