أوراق مسافرة
مصر للبلطجية.. الصحة «6»
حين أصيب بألم فجائى فى صدره، حمله شقيقه الأكبر إلى مستشفى عام، لم يجد أى طبيب بالمستشفى رغم وقت الظهيرة، قالت الممرضة إن حالته تحتاج لعناية مركزة، ولا يتوافر سرير خالى بالعناية ونصحت بتوجهه لمستشفى آخر، وهرول به الشقيق إلى هذا المستشفى الآخر، وقيل له ما قيل فى الأول، فحمله إلى مستشفى ثالث، كان وجهه قد بدأ يزرق، وأنفاسه تختنق، صرخ الشقيق وطلب سرعة فحصه والتصرف، فأمر طبيب شاب فاقد الخبرة بوضعه على جهاز تنفس وتوصيل الأكسجين إليه دون معرفة حالته بدقة، لحظات وبدأ المريض يغيب عن الوعى، فقال الطبيب فى ثقة، عودوا به لبيته لا فائدة أنه يحتضر، ولأنهم مؤمنون بالله وكصعايدة لا يريدون له البهدلة، حملوه من المستشفى فيما تفجرت صنابير دماء من الأنف.. الفم، بفعل منحه جرعات أكسجين زائدة أدت لانفجار الرئة، ومات شقيقى فايز.. استعوضنا الله فيه لأننا لم نعرف لمن نوجه تهمة الإهمال، للمستشفيات الذى لم يستقبله، أم للطبيب المبتدئ الذى أعطاه جرعات أكسجين زائده لم يحتجها، أم للمنظومة الصحية ككل فى سوهاج وفى كل محافظات ومستشفيات مصر التى تفتقد للأجهزة وللأدوية، وللعناية والرعاية والضمير وللإنسانية.
بلطجة، ما يحدث فى المنظومة الصحية بمصر بلطجة على صحة المواطن، المستشفيات العامة ليست بمشفى أبداً، بل هى غالباً المحطة الأخيرة لقتل المرضى إما بسرعة أو ببطء، المريض لا يجد بها غرفة، ولا طبيب مختص، ولا يجد علاجاً ناجعاً، وإن احتاج لجراحة ما، عليه أن يشترى بنفسه كل ما يحتاجه من خارج المستشفى.. قطن.. شاش.. أكياس الدم، وعليه أن يتسول الاهتمام من الأطباء المتعجرفين الذين يشعرون بأن وجودهم بالمستشفى العام قمة التنازل منهم، لأن أجورهم بها لا توافى ما أنفقه أهاليهم عليهم للحصول على بكالوريوس الطب، والانتقام من المرضى الغلابة هو متنفسهم.
التأمين الصحى حدث ولا حرج فرغم كونه ملاذاً للغالبية العظمى من شرائح المصريين العاملين وبما يعادل 60% من الشعب، إلا أن تعاملاته مع المرضى قمة الانحطاط والانهيار الصحى، فمنظومة التأمين الصحة تعانى من الترهل، ومن مشاكل تمويلية، ومن سوء الخدمات، ولا تقوم أبداً على العدالة الاجتماعية، ويتم إجبار المريض على قبول أى أدوية رخيصة لا تتناسب ومرضه، أو عليه اللجوء لشراء الدواء المطلوب من خارج التأمين.
أما المستشفيات الخاصة والعياذ بالله، فقمة البلطجة على جيوب المرضى، على المريض دفع ثمن كل شىء بدءاً من ابتسامة الممرضة المصطنعة وجملة «ألف سلامة» مروراً بقياس الحرارة والضغط، وصولاً إلى سعر غرفة المريض وتكلفتها أى رقم بجانبه ثلاثة أصفار، وإذا ابتلى المريض بجراحية، فالويل لجيبه، وإذا مات لخطأ طبى لا يتم الإفراج عن الجثة إلا بعد دفع ثمن علاج الميت! ويا ليت الخدمة الصحية تعادل ما يتم استنزافه من الآفات «تجزر» رقاب المرضى مالياً.
مطلوب إنقاذ المنظومة الصحية من كل هذا الفساد والبلطجة، بتخصيص موازنة أكبر للصحة، بعمل الرقابة على منظومة التأمين الصحى وإعادة هيكلتها، بفرض الرقابة على كل المستشفيات العامة والخاصة، بوضع تسعيرة من وزارة الصحة للخدمات الصحية بالمستشفيات الخاصة ومعاقبة من يتجاوزها، الحلول كثيرة وقتلت عرضاً مطلوب فقط التنفيذ من الدولة ووزارة الصحة، صحة المواطنين هى رأس مال الدولة الحقيقى، وما يحدث بمصر قتل متعمد وإهدار لرأس مالنا..وللحديث بقية.