شعاع
فى قاع الحياة
من سمع غنياً، يشكو ارتفاع الأسعار، ومن سمع ثرياً يستغيث من قانون الجباية الجديد «القيمة المضافة»، من سمع حوتاً من حيتان هذا الزمن يتوجع، كما يتوجع الغلابة، إذا حدث، وتأثرت بعض مشروعاته، فإن أول قراراته، تكون فصل العمال البسطاء وتشريدهم، المهم حماية مشروعاته وثرواته، صار هذا الوضع نموذج حياة، وتخيل أن فقراء هذا البلد، وهم الغالبية العظمى من السكان، تعاملهم الدولة بنفس منطق الإقطاع زمان، أى مصيبة تحل بالبلد «يلبسها» الفقراء وحدهم، أى كارثة تتعلق بالفساد أو الإهمال، أو المحسوبية، وغيرها يكون وقودها البسطاء، أما صناعها الأصليون أصحاب المليارات، فيخرجون منها كما يقول المثل «زى الشعرة من العجين»، وهنا ربما تكون الإجابة عن تساؤل مهم، لماذا تراجعنا وسبقنا غيرنا؟
الفقراء يدفعون ثمن الكوارث، ويعاملون بطريقة عمال التراحيل، لا يغرنك تصريحات بعض المسئولين، عن حماية محدودى الدخل، أزعم أنها أكذوبة، يقصد بها، يقصد بها العكس، ألا وهو قطع رقبة الفقراء، لم تتكالب حكومة فى حياتى على الفقراء، مثلما فعلت هذه الحكومة، صار المواطنون يعيشون فى القاع، أقصد قاع الحياة، حياتهم بائسة، يدفعون ما فى جيوبهم، كى يعيش غيرهم، يبيعون قطعاً من أجسادهم، كى ينعم بها غيره.. هذا فى الحياة، أما عند الموت، فحدث ولا حرج، فقراؤنا لا يموتون فى منازلهم وعلى فراشهم، ووسط الأهالى والفرق الطبية، إنهم يموتون بعيداً عن ديارهم، ويكون مثواهم الأخير غرقاً فى قاع البحر، اسألوا قاع البحرين الأحمر والأبيض، وقاع النيل، وقاع الترع، وقاع قناة السويس، وكيف راح مئات الآلاف من فقراء هذا البلد، استقرت جثثهم فى قاع مياه البحر، اسألوا أهالينا «الآن» فى البحيرة، انظروا إلى حسرتهم وأنينهم، على أهاليهم.. دون مجيب.
ما زلنا عند موت الغلابة، فليس قاع البحر هو مصير الغلابة، من لم يمت غريقاً، مات على الأسفلت، فى حوادث الطرق، أمواتنا على الطرق، حديث كل العالم، ونحن الأول عالمياً فى الموت دهساً على الطرق، ومن لم يمت دهساً، مات محروقاً، فى انفجار أنبوبة البوتاجاز، أو فى قطار محترق، وغير ذلك، الأهم من كل ذلك، من يموت بسبب نقص العلاج، وعدم القدرة المالية، لمجرد الذهاب إلى الطبيب، الفقراء يسبحون فى الأمراض الفتاكة، وهناك من يعد نفسه ميتاً، وهو حى، اضطرته ظروفه لارتكاب جريمة، ليقضى باقى حياته في السجن، بالمناسبة الآن ولفترة محدودة، ممكن لأى غلبان فى هذا البلد، أن يشرف السجن دون سبب، ولن يصدر له أى قرار عفو، وممكن يكون قاتلاً، أيضاً!.. اللهم احفظ مصر، وشعبها، وأهلها الطيب، وافرغ عليهم ستائر الصبر والاحتساب، حتى تمر عليهم هذه الظروف الحساسة، وغير المسبوقة بسلام، آمين.