على فكرة
حتى لا تتكرر النكبات الثقيلة لفن النحت
استيقظ سكان ميدان سفنكس فى حى المهندسين ذات صباح صيفى من عام 2003 ليجدوا فى حديقة الميدان، تمثالاً كئيباً منصوباً لشيخ بائس هرم محنى الظهر، واهن الجسد، عابس الوجه، يبدو فى نظارته الطبية كما لو كان كفيفاً، يظن من ينظر إليه أنه على وشك السقوط، من فرط تعب وإجهاد صاحبه، لولا توكؤه على عصاه.
لم يصدق أحد أنه تمثال نجيب محفوظ، فمن قرأ أدبه، واقترب من شخصه يدرك بسهولة أنه ابن نكتة فى الكتابة وفى الحياة، لا تخلو معظم رواياته من مفارقات تبعث على الضحك، كما يتبين له أيضًا أن ابتسامته كانت أبرز شىء يميز قسمات وجهه، وكانت من فرط جمالها تملأ الدنيا فرحاً وبهجة ونورا، فمن أين أتى النحات بكل هذا العبوس والبؤس والظلام؟ حين سئل نجيب محفوظ آنذاك من رفاق ندوته الأسبوعية، عن رأيه فى تمثاله أجاب ضاحكا: يبدو أن الفنان الذى نحت تمثالى، لم يقرأ لى سوى رواية واحدة هى «الشحاذ»!
كان تمثال نجيب محفوظ واحداً من عدة تماثيل لرموز سياسية وفكرية وفنية تم تصميمها لتزيين عدد من ميادين القاهرة، كان بينها تماثيل لطه حسين وأحمد شوقى وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب والفريق عبدالمنعم رياض، وقد وصف الفنان التشكيلى أحمد فؤاد سليم هذه التماثيل بعد نصبها فى أماكنها وقتذاك، بأنها نكبة ثقيلة لفن النحت تستوجب محاسبة مرتكبيها.
ومن يتأمل تمثال القائد العسكرى عبدالمنعم رياض فى الميدان الذى يحمل اسمه وسط العاصمة، يكتشف بسهولة ودون سابق تخصص، عدم التناسق بين مكونات التمثال، فأقدام التمثال نحيفة وهزيلة لا تتناغم مع بقية أجزاء جسده، كما لا تتناسب مع الهيبة والجلال لأحد قادة العسكرية المصرية العظام!
ولعل القرار الذى أصدره رئيس مجلس الوزراء الأسبوع الماضى، بمنع إقامة تماثيل فى الميادين العامة قبل العودة لوزارتى الثقافة والآثار، أن يصحح تلك التشوهات، وأن يحول دون تكرارها.
ويغدو من المفيد هنا أن إقامة لجنة قومية عليا، تصبح هى الجهة الفنية الوحيدة التى تتعامل مع التماثيل على أسس فنية وتاريخية، تتشكل من الوزارتين وتضم ممثلين لأقسام العمارة فى كليات الهندسة ونقابة المهندسين، وأقسام النحت فى كليات الفنون الجميلة، ونقابة التشكليين، والوزرات المعنية بالمحليات والسياحة، لتجرى مسابقات بين نحاتين فنانين محترفين – لا موظفين- يقدمون نماذج للشخصيات التى ستتم إقامة تماثيل لها.
البديهى أن يكون مشهودًا لهؤلاء النحاتين بالكفاءة والموهبة والذائقة الجمالية والبصرية الراقية، وأن يملكوا من الثقافة ما يؤهلهم للتفرقة الواضحة بين تماثيل الميادين الشامخة، وتماثيل الحدائق النصفية، أو صغيرة الحجم، ومن القدرة على إحداث التناسق المطلوب بين حجم التمثال وقاعدته وبيئته المحيطة به.
عبر عقود، رفعت الدولة يدها عن إقامة مزيد من التماثيل فى الميادين العامة، برغم أهميتها البالغة لإنعاش الذاكرة الوطنية للأجيال الجديدة. فعلت ذلك لنقص فى الإمكانيات، أو خضوعاً لضغوط المتشددين الدينيين، أو للخلافات بين الحقب السياسية المختلفة، فكان من الطبيعى أن يترك الأمر لمبادرات تسيطر عليها بيروقراطية الجهل والقبح وانعدام الموهبة والكفاءة، وهو ما نتمنى أن يرد القرار الوزارى الاعتبار للجماليات التشكيلية، وينهض بالذوق الرفيع.