على فكرة
بدلاً من القبح
فى صباى وشبابى كنت أحلم مع صلاح جاهين بتماثيل رخام علي الترعة وأوبرا فى كل قرية عربية، الآن بت أنشد من الله العلى القدير، أن ينجينا من هذا القبح الذى يحيط بنا من كل حدب وصوب، ولعل القرار الذى أصدره رئيس مجلس الوزراء، أن يكون خطوة نحو هذه النجاة.
وقبل أيام أصدر المهندس شريف إسماعيل قراراً يحظر فيه ترميم التماثيل أو وضعها هى وأى منحوتات أو جداريات بالميادين العامة فى كل المحافظات، إلا بالرجوع إلى وزارتى الثقافة والآثار، وبرغم أن القرار لا ينطوى على آليات التنفيذ وخطواته، إلا أنه قرار مهم جاء فى وقته، بعد أن تزايدت وقائع القبح والتشويه التى طالت الشوارع والمدن المصرية، خلال السنوات الأخيرة، ولم تقتصر على تلال القمامة، التى إن وجدت من يرفعها، لا تعدم من يعيدها إلى ما كانت عليه، بل وصلت إلى إقامة تماثيل مشوهة فى العواصم والأقاليم، بعد أن تم ترك نحتها وتجديدها وتنظيفها والعناية بها، لمبيضى المحارة، وصنايعية الجباسين والنقاشين، الذين لا خبرة فنية لهم بتلك المجالات التى تخضع لتخصصات دقيقة.
آخر الوقائع التى اضطرت رئيس الوزراء لإصدار قراره، هو تمثال «أم البطل» فى ميدان الشهيد عصمت بسوهاج، الذى يمثل فلاحة مصرية، يحتضنها من الخلف جندى غير مكتمل الجسد، يريد مصممه أن يقول إن الجيش يحتضن أمه مصر، أو هو يحتضن ويرعى أمهات الشهداء، لكن التمثال فشل فى إعطاء هذا المعنى، وبات مثاراً للسخرية ممن ساءهم فقر خياله، ومن سيئى النوايا والمتفرغين للصيد فى الماء العكر.
وقبل أسابيع، أثارت عمليات التشويه التى تمت بدهانات اللاكيه الفاقعة اللون بزعم تجديدها، لعدد من تماثيل شخصيات سياسية وأدبية وفنية وتاريخية كان بينها تمثال محمد عبدالوهاب فى باب الشعرية، وتمثال أم كلثوم فى الزمالك، وأحمد عرابى فى الزقازيق، ونفرتيتى فى سمالوط، وتمثال عباس العقاد فى أسوان، اعتراضات غاضبة، لطمس هوية تلك التماثيل والإضرار بها لما لحق بها من عبث، وبسبب العشوائية وانعدام الخبرة وغيبة الحس الجمالى والذوق السليم فى التعامل معها، هذا بالإضافة إلى ما تقوم به الجماعات الدينية المتشددة من تغطية ما يسمونه عورات التماثيل، وتشويهها باعتبارها أصناماً!
تلك وقائع تكشف جميعها عن مستوى الهبوط المتصاعد فى الذوق العام، ففى القاهرة والإسكندرية، تماثيل أقامها المصريون على نفقتهم الخاصة، وبتبرعاتهم الشخصية وظلت مودعة لسنوات فى المخازن، إلى أن شاءت الظروف السياسية الإفراج عنها، بينها تمثال مصطفى كامل فى الميدان الذى يحمل اسمه فى القاهرة، وتمثالا سعد زغلول فى القاهرة والإسكندرية، ولا يدل هذا سوى أن الشعب المصرى فى فجر النهضة المصرية، وبعد ثورة 1919، كان يملك ذائقة جمالية، لم تجعله فقط يحتضن ما تركه أجداده من تراث تتغنى به البشرية، بل كان يمتلك أيضاً احتراماً لتاريخه، جعله يتبرع لإقامة تماثيل لرموز الحركة السياسة والفنية والثقافية، الذين أسعدوه وساهموا فى تشكيل وعيه والدفاع عن قضايا وطنه.
لكن القبح الذى يطالعنا فى كل مكان، لا يؤكد سوى أننا أسوأ خلف لخير سلف!