بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

دبحتونا

نظر إلىّ الشاب الأسمر القصير متفحصاً ردة الفعل على وجهى وهو يقول «هتكلفك 850 جنيه» أسقط فى يدى، جف لسانى فى حلقى، وأنا أردد وراءه المبلغ متبعة الجملة «ليه.. طب ما أروح اشترى واحدة جديدة أحسن لى»، فقال مستهيناً باندهاشى «دى تمنها عدى التلتلاف ومش هتلاقيها بنفس الجودة»، وتابع وهو يستعد للم حقيبة العدة الصغيرة ذات المظهر الحقير فى تهديد واضح «اشتغل ولا أمشى؟» نظرت بقلة حيلة إلى كومة الملابس فى سلة الغسيل، وتذكرت ألم عظامى وأنا «أمرش» بعضها الذى احتاجه وأسرتى وقد ذهبت الصحة وأنا أترحم على أمهاتنا اللاتى كن يغسلن ملابس العائلة على أيديهن قبل اختراع الغسالات الأوتوماتيك التى دللتنا وأفسدتنا، فهان علىّ المبلغ المهول لإصلاح الغسالة التى ارتبك برنامجها وتعطلت فجأة لانقطاع الكهرباء.. الكهرباء التى اشتعلت أيضاً فواتيرها بلا مبرر.

ما علينا، حاولت أمارس ما نفعله كمصريات وأفاصل وأتشطر، فأجرى اتصالاً، لينخفض المبلغ مائة جنيه ويصبح 750 جنيهاً، وأقسم أن إصلاحها لم يستغرق معه عشر دقائق بدل خلالها قطعة لا تتجاوز حجم قبضة اليد اسمها «طلمبة ضخ المياه» ولملم عدته واستلم المبلغ وهو يتمتم «والله يا مدام الفلوس رايحة للشركة وإحنا ما بناخدش إلا المرتب» قالها انتظاراً لإكرامية، لكنى لم أفعل فقد رأيت أنه تمت سرقتى عينى عينك، وإن هذا المركز «المدعوق» لصيانة الغسالات استغل حاجتى كما يستغل كل من يلجأ إليه هرباً من الصنايعية الأحرار الذين بلا خبرة أو ضمير، وتذكرت فى حسرة رحلتى مع سيارتى على ورش الميكانيكا، التى استنزفت مدخراتى، لأنى ببساطة كنت فريسة سهلة للنصب وغياب ضمير الميكانيكية.

ما أطرحه ليس مشكلة ذاتية بل مشكلة يواجهها كل فئات الشعب بمصرنا المحروسة «أم الحنا والعجائب»، الفنيون فى كل المجالات لا يترددون فى دبحنا لإصلاح أى شىء، تلاجة، غسالة، بوتاجاز، مروحة، سيارة، وغيرها، إنهم ينهبوننا متذرعين بغلاء الأسعار وبغلاء قطع الغيار المستوردة التى هى غالباً صينية مضروبة تتلف فى وقت لا قياسى، ما يحدث لدينا لا نراه فى أى بلد بالعالم، الدول لديها ورش صيانة وإصلاح تحت إشرافها وإشراف جهاز حماية المستهلك، ولها تعريفة محددة لا يتم تجاوزها ولا يعرف هناك الإكراميات والجشع، فلماذا لا يتم عمل ورش حكومية يتم من خلالها تشغيل هؤلاء الفنيين والمهنيين، وتحديد تسعيرة إصلاح أى عطل فى أى جهاز لكسر جشع الفنيين الأحرار، وأن ينضم إلى هذه الورش أى فنى حر إن أراد ذلك، ومعروف أن مصر بها أكثر من 47 مركز تدريب مهنياً تحت إشراف وزارة الصناعة، وتنفق عليها الدولة ملايين سنوياً بجانب مساعدات الاتحاد الأوروبى لتدريب طلاب المدارس الفنية والصناعية، ولكن للأسف تحولت معظم هذه المراكز إلى خرابات ولإدارة أعمال خاصة لصالح المشرفين عليها، فيما لا يتعلم طلابنا أى شىء بها، بجانب استنزاف أموال الدولة، لماذا لا تتم الاستفادة بهذه المراكز وتحول لصالح خدمة المواطنين ويعود عائدها إلى الدولة، كما أطالب هنا جهاز حماية المستهلك بدور رقابى لحمايتنا من استغلال ورش العمل والصيانة الحرة وعمل تسعيرة إجبارية رحمة بنا، هذه الورش دبحتنا وخربت بيوتنا الله يخرب بيوتهم وبيت الجشع والطمع، إنهم يتكاتفون مع الحكومة التى تدبحنا بغلاء الأسعار، رقبة المواطن لم تعد تحتمل مزيداً من الدبح.. دمنا أتصفى.. أرحمونا.

[email protected]