التعليم والإبداع والتنمية المستدامة
لكل إنسان خلقه الله عز وجلّ شخصيته الفريدة التى يجب علينا احترام قدراتها وتعزيز إمكانياتها وإعطائها فرص للنجاح حتى ولو تعرض للفشل أثناء المحاولات، فالعديد من الموهوبين والعباقرة والمبدعين يعتقدون أنهم ليس كذلك لأن الأمور التى كانوا متميزين بها أثناء الدراسة لم تكن تقدّر وتؤخذ فى الاعتبار، ولكننى أرى أن الإبداع ليس حكرًا على الفنانين والموسيقيين فقط بل هو مهارة حاسمة وضرورية لجميع البشر، والإبداع لغويًا يعنى الاستحداث والاستكشاف.
وعمليًا أستطيع أن أعرّف الإبداع على أنه عملية تفاعلية بين عدة عوامل عقلية وبيئية واجتماعية وشخصية وهذا التفاعل يهدف إلى الوصول لحلول جديدة وحديثة ومبتكرة فى مختلف المواقف سواء النظرية أو العملية وذلك فى المجالات الحياتية، وعلى المعلم أو المحاضر اتباع بعض الأفكار الإبداعية أثناء التدريس، مثل: (استخدام نظام الطاولات المستديرة للسماح للدارسين بالعمل الجماعى – طرح الأسئلة التى تخاطب الفكر وتحفز على الإبداع – اتباع طرق التعلم القائم على المشاريع – استخدام الحاسب فى التدريس والتعلم وعمليات البحث طبقًا لنوع المادة أو المقرر – معرفة تاريخ الاختراعات والاكتشافات إذا كانت ضمن موضوع الدرس أو المحاضرة – عدم الاقتصار على شكل واحد فى طرق إنجاز المهام – تشجيع عمليات المناقشة والحوار – تعزيز التفكير النقدى لدى المتعلمين – التدريب على فن الاستماع لآراء الآخرين وتجاربهم والاستفادة منها).
وعلى المعلم أيضًا تدريب الدارسين على عدم الخوف من الوقوع فى الخطأ والحرص على التكرار والمحاولة بأساليب متنوعة فالعالم (أديسون) قد اخترع (المصباح الكهربائى) بعد مئات من المحاولات الفاشلة حتى وصل لاختراع استفادت منه الإنسانية جمعاء، وبذلك تستطيع أيها المعلم أو المحاضر على تحويل القاعة الدراسية إلى ورشة كبيرة لصناعة الإبداع، كما أننى أقترح مساهمة القطاع الخاص فى مجال التعليم لتنمية عمليات الابتكار والإبداع لدى المتعلمين ولنا فى دولة فنلندا عبرة ففى جامعة (ألتو) الفنلندية بمدينة هلنسكى يوجد (مصنع الابتكار)، وهو عبارة عن مبنى صغير من عدة طوابق مخصص فقط للابتكار ومصمم على شكل قاعات صغيرة يشارك بها الدارسون مع أحد الخبراء أو الأساتذة أفكارهم لابتكار حلول لمشكلة تواجهها إحدى الشركات والمؤسسات الصناعية أو التكنولوجية، حيث تمول هذه الشركة محاولات الطلبة إيجاد تلك الحلول الإبداعية والابتكارية للمشكلات التى تواجهها.
كما أن العديد من أكبر وأنجح المؤسسات فى العالم شرعت فى تطبيق قاعدة (20%) أى الالتزام بالسماح للموظفين لديها بتكريس (20%) من زمن العمل للتفكير بشكل خلاق واستكشاف أفكار جديدة لذلك أقترح الاستفادة من هذه القاعدة بحيث يتم تخصيص (ساعة إبداعية) فى كل يوم دراسى يقوم كل طالب بإبداء آرائه عن تطوير الدروس والمحاضرات وتطوير المؤسسة التعليمية وتطوير المناهج التى يدرسونها وبذلك نشجعهم على ممارسة التفكير والعمليات الإبداعية مثلما الحال فى مجال الرياضة كممارسة المشى يوميًا أو أى رياضة أخرى. وفى النهاية أوصى المعلمين والمحاضرين والمدربين لتشجيع الدارسين للتعامل مع الأشياء المألوفة بطريقة غير مألوفة ليحدث الإبداع ونتحول من التعليم التقليدى إلى التعليم الإبداعى، ومن التقليد والتلقين إلى التفكير والإبداع وهذا بدوره ينعكس على التنمية المستدامة التى ترغبها وتسعى إليها الحكومات والشعوب فى العصر الحالى، ولا يفوتنى هنا أن اذكر (أسئلة الاختبارات وعمليات التقييم) لا بد أن تعتمد على التفكير والإبداع.. وهذا موضوع حديث قادم إن شاء الله.