قانون الخدمة المدنية..الشيطان يكمن فى اللائحة
حقيقة لم أجد سببا جوهريا لرفض مجلس النواب قانون الخدمة المدنية بعنترية فى بداية عمله فى شهر يناير الماضى ، ثم عودة القانون للمجلس مرة أخرى والموافقة عليه هذه الأيام
وقبل أن يرد أحد ويقول أن هناك تعديلات تم إدخالها على القانون جعلت المجلس يوافق عليه ، نقول أنه لا توجد أى تعديلات جوهرية فى مضمون القانون ،إلا إذا كان الأعضاء يرون أن زيادة العلاوة من 5 إلى 7% انتصار تاريخى. بل إن أحد الإضافات التى أدخلها المجلس على القانون المقدم من االحكومة ، تثير الإستياء ، وتدل على أن هناك من يناور وبالبلدى يضحك على نفسه وعلى الشعب .
فقد جاء فى المادة الأولى من القانون أن القانون يسرى على الوظائف فى الوزارات ومصالحها والأجهزة الحكومية ووحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة وذلك ما لم ينص قوانين أو قرارات إنشائها على ما يخالف ذلك.
وهذه المادة هى محور الخلاف الرئيسى فى القانون ، وهى التى تسببت فى المظاهرات والاحتجاجات والجدل ، حيث أنه من المفترض أن تقوم الفلسفة الرئيسية للقانون على إلغاء أى تمييز بين كل العاملين فى الدولة أيا كانت أماكن عملهم ، وإلغاء الاستثناءات .
ومع ذلك ظلت الاستثناءات موجودة وتتضح من الفقرة الأخيرة التى تقول " وذلك ما لم ينص قوانين أو قرارات إنشائها على ما يخالف ذلك".وعندما تعبقرت لجنة القوى العاملة واضافت على هذه المادة فقرة لتضحك بها على الشعب قالت فى الإضافة " ويحظر التمييز بين الموظفين فى تطبيق أحكام القانون بسبب الدين أو الجنس أو لأى سبب آخر " .
وحقيقة أن هذه الإضافة تستوجب مساءلة العبقرى الذى تقدم بها ، لأنها لا تحمل أى معنى سوى اللعب بالألفاظ ، لأن عدم التمييز بسبب الجنس او الدين أمر مفروغ منه ليس فى الوظائف فقط بل فى كل شىء وقد نص الدستور على ذلك بشكل صريح ، أما عدم التمييز الذى ينتظره المواطنون ، فهو فى الأجر والراتب والمعاملة الوظيفية .
ولا شك أن القانون الجديد يمثل ــ من الناحية النظرية ــ خطوة كبيرة نحو إصلاح الجهاز الإدارى للدولة والخروج من حلقة مفرغة وغير قابلة للاستمرار، يتزايد فيها عدد العاملين فى الدولة، وترتفع حصة أجورهم فى الموازنة العامة، ولا يتحسن فيها مستوى أداء الخدمات والمرافق العامة، بل ولا تتحسن حتى أوضاعهم الوظيفية
كما ان القانون يأخذ بمفهوم التنمية البشرية فى المصالح الحكومية بدلا من إدارة شئون العاملين، والإعلان بشفافية عن الوظائف الشاغرة، والاعتماد على الاختبارات فى شغلها، وزيادة نسبة الأجر الثابت إلى المتغير، وتنظيم المعاش المبكر لمن يرغب فى ترك الوظيفة العامة، واستحداث منصب الوكيل الدائم للوزارة، وجعل المناصب القيادية محدودة المدة، ومنح العاملات الحاضنات إجازة رعاية طفل مناسبة، واستحداث نظام حديث لتقييم أداء العاملين تقييما عادلا بما يسمح للمتفوقين والمجتهدين بالتقدم والترقى.
ولكن مجلس النواب لم يفطن ويدخل تعديلات تحد من إحالة العديد من الأحكام وبشكل مبالغ فيه إلى اللائحة التنفيذية التى يصدرها رئيس الوزراء ، ومنها على سبيل المثال الاعلان عن الوظائف وضوابطها والتعاقد مع المستشارين وذوى الخبرات وقواعد تعيين شاغلى الوظائف العليا وشروط منح علاوة التميز وقواعد تقييم الموظفين وضوابط الندب والنقل والاجازات وقواعد عمل لجان الموارد البشرية وقواعد تعيين شاغلى الوظائف العليا ، وغيرها من الأمور المهمة التى كان يستوجب النص عليها فى القانون وعدم تركها للائحة ، كون اللائحة تقرها الحكومة وتعدل وتضيف وتحذف بمزاجها دون الرجوع للبرلمان ، وكما هى المقولة الشهيرة " الشيطان يكمن فى التفاصيل " ، والتفاصيل هنا متروكة للائحة.