بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

شعب عاشق للقبح..!

استيقظ أهالى المنطقة على صوت المذبحة، صوت أنين بل صرخات الضحايا يعلو فوق أصوات المناشير الكهربائية الضخمة وآليات الذبح التى حملها العمال..الجزارون.. واعملوها فى رقاب الضحايا البريئة الجميلة بلا ذنب، ذبحت الأوراق والأفرع وسقطت تحت الأقدام دون رحمة، تواصلت عمليات الذبح لتقتلع الضحايا من الجذور والأهالى يعترضون يضجون.. يتصدون، صوت اعتراضهم يضيع أيضاً بين أصوات المناشير، اختفت فى ساعات قليلة كل مشاهد الجمال.. الخضرة.. الأشجار الكبيرة ذات الأوراق الوارفة التى تظلل هذه المنطقة من شارع فيصل بالمريوطية، تحولت الأشجار إلى أطلال تبكى.. أكوام من الأخشاب العارية من الحياة، تحول الشارع الجميل الذى كان منذ لحظات رائعاً بأشجاره إلى شارع عارٍ كئيب لا حياة فيه ولا ظل ولا خضرة، حل القبح محل الجمال، والمتضرر مئات الأهالى.. البيئة.. والمستفيد شخص واحد، تاجرة أخشاب تعاقدت معها هيئة النظافة بالجيزة، لتبيعها 250 شجرة، تم اقتلاعها من المنطقة للتحول الجنة الخضراء إلى قطعة قاحلة من الصحراء.. حل القبح مكان الجمال.

هكذا نحن صرنا شعباً عاشقاً للقبح، كارهاً للجمال، لو وجدنا شجرة ورد، تبارينا مع أولادنا لقطع زهورها، لو وجدنا خضرة فى حديقة عامة أو فى نادٍ، تسابقنا لدهسها بأقدامنا أو وضع المقاعد فوقها، لو وجدنا شارعاً نظيفاً تنافسنا فى إلقاء القمامة به من منازلنا أو حتى من نوافذ سياراتنا، فى الحدائق العامة يمسك العشاق بأى شىء حاد لحفر أسمائهم على لحاء الأشجار تخليداً لحبهم ولتكون شاهدة على تشويه الجمال باسم الحب، أو يكتبون أسماءهم على الجدران، الأطفال يمزقون مقاعد القطارات والأتوبيسات بأظافرهم أو بسن الأقلام وسط صمت وتجاهل من الآباء أو أى ممن يشاهدهم، فلا أحد يتحرك ولا أحد ينهر أو ينهى، على النوافذ والبلكونات وأسطح المنازل التى تعتبر متنفساً للسكان، تقوم ربة البيت ومن يعاونها بتعليق الثوم والبصل وحشد كل الكراكيب، بدلاً من الزهور أو نبات الزينة أو أى ديكور يمنح العين راحة والنفس استراحة.

وهكذا.. فلا عجب أن أكثر من 16 مليون مصرى مصابون بأمراض نفسية، نسبة من 50: 60% مصابون بالقلق والاكتئاب وفقاً لمؤتمر الصحة النفسية الذى عقد فى نهاية العام الماضى، كل مصرى قرفان وزهقان ومخنوق ومش طايق هدومه، عوامل كثيرة تتضافر لإمراضنا نفسياً وخنقنا، منها افتقاد أعيننا مشاهد الجمال العام، الخضرة والمناظر الجمالية فى الشوارع والبيوت تمنح الراحة وجانباً من السعادة النفسية، فى الغرب وبكثير من دول العالم فى كل حى يجب أن يكون هناك حديقة عامة إلزاماً، أمام كل بناية توجد أمامها مساحة خضراء، الأشجار تكسو الشوارع، الحدائق العامة منتشرة، النوافذ وشرفات البيوت مزينة بالزهور، أسطح البنايات يتم الآن زراعتها بالنباتات والزهور، لذا هذه الشعوب أكثر سعادة وأكثر راحة نفسية وأكثر عملاً وإنتاجاً.. وبلدانهم أقل تلوثاً رغم أنها بلدان صناعية تنتج أكبر نسبة من العوادم والمكونات المسببة للاحتباس الحرارى، مصر تموت بيئياً ومناخياً وجمالاً بفعل جرائم ذبح الأشجار وإهمال خطط التشجير وإسقاط خطة إحاطة القاهرة بحزام أخضر لحمايتها من الأتربة والتلوث وتحسين المناخ وجذب الأمطار، أرجوكم لا تذبحوا الجمال، الأجيال الجديدة اعتادت على القبح، والقبح يقتل الإنسانية.. يهدم القيم الأخلاقية.. ويقتلنا.

[email protected]