بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

كل هذا الجمال فى أفراح القبة

لعب المكان دوراً رئيسياً فى كثير من روايات «نجيب محفوظ»، فكانت العوامة بطلاً فى ثرثرة فوق النيل، وكان البنسيون فى ميرامار، وكان الحى فى خان الخليلى والحارة فى زقاق المدق، كما كانت بين القصرين وقصر الشوق والسكرية، هى الأماكن التى جرت فيها أحداث ثلاثيته الشهيرة. وفى روايته أفراح القبة «1981»التى تعرض الآن كواحد من أهم الأعمال الدرامية فى الموسم الرمضانى، الذى أوشك على الانتهاء، تعد خشبة المسرح وكواليسه والعاملون به هم البطل. وتحكى الرواية قصة أسرة كرم يونس «صبرى فواز» الذى يعمل ملقناً بالمسرح وزوجته حليمة بائعة التذاكر«صابرين» وابنهما عباس «محمد الشرنوبى» الذى يكتب مسرحية عن الحياة الحقيقية لأسرته التى فتحت البيت للقمار والدعارة، ويفضح علاقة الأسرة الشائنة بصاحب المسرح والفرقة التى أنشأها سرحان الهلالى «جمال سليمان» وبالممثل طارق رمضان «آياد نصار»، الذى تزوج المؤلف حبيبته تحية «منى زكى»، بعد أن رفض هو الزواج منها، فى نفس الوقت الذى يعيش فيه عالة على مصممة الملابس أم هانى «سلوى عثمان» الزوجة السابقة لعم برجل عامل البوفيه فى المسرح «سامى مغاورى». المؤلف كتب مسرحيته تخففاً من إحساسه بالعار من تاريخ أبويه المخزى، وربما لهفة على النجاح بأى ثمن من جانب آخر .

حملت المسرحية عنوان «أفراح القبة»، فى مفارقة ساخرة مع أحداثها المأساوية الدامية، ويجرى تمثيلها بفريق ممثلين كانوا طرفاً فى صنع أحداثها يعترف فيها المؤلف بقتله لتحية، حيث تتصاعد أحداث المسلسل، ليتبارى كاتباً السيناريو والحوار «محمد أمين راضى» و«نشوى زايد» بمهارة فى تفكيك حياة الأبطال، وإعادة بنائها، بتداخل الأزمنة والأمكنة وبجمل الحوار، وبالسرد عن طريق المنولوج، وبالتعبير بقسمات الوجه ونظرات العين ولحظات التأمل والصمت، بما يعكس مشاعر الخيبة والهزيمة والعجز والبؤس لتلك الحياة، التى تتقطع أوصالها على عتبات الرغبة فى الصعود بأى ثمن، وتتحطم قلوب شخوصها فى البحث عن الحب المفقود، فى محيط متخم بالاستغلال والحرمان المادى والعاطفى.

مزج المخرج المبدع محمد ياسين بين الموسيقى والمؤثرات الصوتية والديكور الخلاب ليضفى على مشاهد المسلسل رؤية بصرية بالغة الفتنة، زادها إبهاراً الأداء الجماعى لكل فريق التمثيل الموهوب، الذى ينبض بالصدق، فى تعبيره عن المعاناة العاطفية، ومشاعر الفقد والضياع والندم، وتنقله السلس من الفرح إلى الحزن، ومن الأحلام إلى الواقع الراهن، ومن أحداث الماضى إلى وقائع الحاضر الذى يحاصره ماضٍ لا يريد أن ينزوى، فتتكشف لنا علاقة الشخصيات الحائرة بعضها ببعض، وتلخص لنا معانى المسلسل ـ الرواية ـ وتضيء جوانب غموضه، وتفكك خيوطه المتشابكة، لأبطال هاموا جميعهم بحب المسرح والفن.

يعيد المسلسل اكتشاف مواهب تمثيلية راسخة، وتبقى أدوار سوسن بدر وصبا مبارك ورانيا يوسف وأحمد السعدنى وسيد رجب وسلوى عثمان علامات بارزة فى الدراما التليفزيونية، وتظل قدرتهم على حمل رسالة المسلسل والرواية حاضرة ومؤثرة؛ فبالرغم من عناد الأشياء وتحدياتها، وبالرغم من الخسران والأحزان، فلا يهم سوى الإمعان فى السير، لأن ذروة النشوة تتألق على جسد عراه الإفلاس والجفاف، ولكن تنطلق إرادته بالبهجة المتحدية.