أوراق مسافرة
الكذب وهذا الوجع الخاص جداً
أرجوك لا تكذب.. لا تكذب.. أيا كانت الحقيقة قلها.. واجهنى بها.. لا تخدعنى.. وسأحتمل معك كل النتائج.. الكذب جريمة إنسانية لا أحتملها.. الكذب جبن يجعلك تسقط من نظرى.. يفقدنى الثقة فيك وفى الأشياء.. يفقدنى الشعور بالأمان والاستقرار.. الكذب يخلخل الأرض من تحتى، يجعل الرؤى تغيم فى عينى، الكذب يغيب الجمال.. فلا يبقى سوى القبح.. لا تكذب مضمون هذه الكلمات علمتها لأولادى الثلاثة.. للأسف، أرضعتها لهم مع لبن الحياة، مولدهم فى هذا البلد الأوروبى، ونشأتهم هناك ساعدتنى كثيرا أن أزرع فيهم مبدأ الصدق وعدم الكذب أيا كانت فظاعة ما ارتكبوه بعيدا عن عينى، فالأوروبى لا يكذب إجمالا، نادرا ما يقول غير الحقيقة، يتم تربيتهم على مواجهة أفعالهم وأخطائهم بصراحة وقوة، والتعامل مع النتيجة بكل مسئولية، إذا احبك شخص سيقولها لك بكل صدق، وإذا زهد فيك أيضا سيقولها، لو لم يرد لقاءك اعتذر بكل احترام، لا ينافق ولا يجامل على حساب نفسه أو أى شىء، واضح وضوح الشمس مع كل ما يريده ولا يريده، ومن هنا الصدق هو مبدأهم فى الحياة والعمل.. فكان تقدمهم، وكانت أكاذيبنا كمصريين ونفاقنا وخداعنا للآخرين وخياناتنا فى مشاعرنا ولأنفسنا سببا فى تخلفنا. وسببا فى خسارتنا أشياء كثيرة وجميلة.. أهمها خسارة أنفسنا واحترامنا لأنفسنا.
وأقول للأسف علمت أولادى الصدق.. لأن زراعتى الصدق وصراحة المواجهة بهم جعلتنى أدفع الثمن مريرا وعذابا باقى سنوات عمرى، حين عدت بأولادى من مهجرى الأوروبى بعد سنوات طويلة من الغربة، حاولت توطينهم بقوة فى وطنهم الأصلى مصر، حاولت أن أطبق لهم من على أرض الواقع تلك الصور الجميلة التى كم رويتها لهم فى الغربة عبر شاشات الفضائيات عن بلدنا، وأن اؤكد لهم أن مصر جميلة بشعبها الطيب الصادق الكريم.
وفاجأنى أولادى بما كنت أعلمه وكذبت عليهم فيه أيضا للأسف، أغلب المصريين ولن أقول كلهم لأن هناك من رحمهم ربى، أغلبهم يكذبون، يتنفسون الكذب حتى فى أبسط الأشياء التى لا تحتاج أبدا إلى كذب أو نفاق أو رياء المجاملة ذات القشور النحاسية الزائفة، كان أى من أولادى يعود من مدرسته أو كليته ليحكى بألم وأحيانا دموع كذب الزملاء والأصدقاء وخياناتهم، كذب المعلمين، وكذب البائع، سائق التاكسى.. كذب كل من يتعاملون معهم، بجانب سوء الأخلاق الأخرى التى باتت منتشرة فى شوارعنا للأسف من بلطجة والفاظ خارجه وتحرش بالفتيات حتى القاصرات منهن، ناهيك عن شوارعنا التى يصر المصريون على التمسك بقذارتها والمجارى المتفجرة بها فى غياب دور المحليات، وهذا الزحام والتكدس، وكل الأشياء السلبية فى بلدنا الحبيب، أولادى من شاركوا فى ثورة يناير وكاد كبيرهم يقتل بميدان التحرير ضمن مجموعة حماية الفتيات من التحرش، هاجروا من الأكاذيب.
احتمل أولادى كل شىء «عكر وقبيح هنا وكان لديهم أمل فى إصلاح هذه الأشياء المادية ليكون وطننا أروع وطن لكن لم يحتملوا الكذب، حمل كل منهم حقائبه، الكبير ترك كلية الهندسة الألمانية وعاد لهولندا ليدرس هندسة الاتصالات، والثانى ترك سنة تانية صيدلة بالكلية الألمانية أيضا وسافر للندن ليبدأ من جديد أولى صيدلة، لم يعبأ أيهما بعشرات آلاف الجنيهات التى دفعناها بالكلية ولا بالسنوات التى ستسقط منهم بالجامعة، أو حتى بدموع رجائى، قال لى أولادى جملة لا تزال تزلزلنى «ماما انت كذبتى علينا، الناس هنا تتنفس كذب وقد اختنقنا من الكذب» سافروا بحثا عن الصدق فى بلدان مادية باردة وخلفوا لى وجع السنين.. لعنة الله على الكذب، كذبكم وكذبى.. لا تكذب.. فكما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: «إياكم والكذب, فإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابا».
[email protected] com