إشراقات
نشترى شهادات.. ولا نطلب علماً!
إيه معنى أن مسئولاً طبياً كبيراً، يقول إن خريجى كليات الطب الخاصة لا يصلحون لممارسة الطب، وأن نقابة الصيادلة تعلن أنها قد لا تقبل خريجى الصيدلة الخاصة.. ونقابة المحامين ترفض قيد وقبول خريجى التعليم المفتوح، ضمن جداولها؟!
إيه معنى إلغاء التعليم المفتوح.. بعد أن ضخ لمصر.. جيوشًا من حملة الشهادات العليا.. لكنهم للأسف أغلبهم جهلاء لا يفقهون شيئاً!
المعنى الحقيقي لكل ذلك أننا نشترى شهادات.. ولا نبغى علماً.. فكل ما هو مطلوب شهادة فقط.. تضمن لصاحبها الوجاهة الاجتماعية.. ومكاناً ثابتاً فى طابور البطالة.. بعد أن أصبح 50% من خريجى الجامعات عاطلين.. لذلك أصبحت مقولة «بلد شهادات» خير معبر عن حالنا وواقعنا!
ذات مرة.. وكنت حديث العهد بالصحافة.. حضر إلينا بـ«الوفد» أكثر من 35 طالباً من كلية طب الأزهر، يشتكون من تعنت إدارة الجامعة معهم.. وفصلهم من الكلية بعد أن استفدوا سنوات الرسوب!
فتخيلت أننى أمام قضية وسبق صحفى هام.
فاتصلت بأستاذى مصطفى شردى.. لأبلغه بهذا الموضوع الصحفى الخطير.. ففوجئت به يثور ثورة عارمة.. ويقول لى اطردهم بره الوفد فوراً!
ولما اندهشت من ثورة أستاذى.. الذى ينحاز للحق والحقيقة دائماً وأبداً.. أوضح لى سبب ثورته قائلاً: يا ابنى لما محاسب يغلط فى الأرقام.. فالأمر هين وبسيط.. لأننا فى النهاية هنخسر فلوس.. ولما المهندس يغلط فى عمله.. أيضاً آخرها فلوس وخسارة مادية.. لكن هذا الفاشل الذى يجلس أمامك الآن.. يشكو الآن فشله ورسوبه.. سيكون غداً طبيباً.. وأنا وأنت غداً سنكون تحت أيدى هذا الطبيب الجاهل.. فماذا لو أخطأ فى تشخيص مرض أو وصف دواء.. أو فى عملية جراحية.. فالغلطة هنا ثمنها روح بنى آدم!
وهنا اعتذرت للطلبة عن عدم تبنى قضيتهم!
هذه الواقعة تلخص حال التعليم فى مصر.. فكل ما كان يبحث عنه هؤلاء الفشلة من طلاب الطب.. هو «الشهادة» التى تفتح أمامهم أبواب الثروة والنجاح والوجاهة الاجتماعية.. الدكتور راح.. الدكتور جه.. وخلاص! دون أن يهتموا بالعلم الذى يدرسونه.. أو تنمية ثقافتهم ومهاراتهم.. وبالطبع ستكون النتيجة طبيباً فاشلاً.. ومدرساً فاشلاً.. ومهندساً فاشلاً!
لذلك فإن كل ما يحدث وما يثار فى قضية الثانوية العامة.. وما شهدته من غش «فاجر».. هو عرَض وليس بمرض.. وهو حصاد طبيعى.. لنظام تعليمى فاشل.. يركز على الشهادة.. دون أن يركز على العلم.. يركز على الوجاهة.. دون أن يركز على احتياجات المجتمع والسوق.. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك جيوشاً من العاطلين تزداد طولاً كل يوم.. دون أن نستيقظ أو ننتبه للكارثة.. أو نتدخل لوقف الطوفان المتدفق!
إذن الحل فى البحث عن علاج ناجع لإصلاح نظام التعليم بأكمله.. وليس البحث عن مجرد مسكنات للألم.. حتى نجد تعليماً فى بلادنا حقيقياً.. ولتذهب مقولة «بلد شهادات» إلى الجحيم!