بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

عندما تكون الديمقراطية والمواطنة هما جناحا الأمل

«انتصر الأمل على الخوف» هكذا صاح مرشح حزب العمال البريطانى الملون والمسلم من أصول باكستانية متواضعة «صادق خان» -45 عاماً- عند إعلان فوزه فى الانتخابات المحلية، عمدة لكبرى العواصم الأوروبية لندن -8.6 ملايين نسمة-على منافسه مرشح حزب المحافظين «جولد سميث» بفارق فى الأصوات بينهما 300 ألف صوت بنسبة تصل لنحو 57% من المصوتين، حيث حصل على 1.3 مليون صوت من إجمالى 2.3 مليون ناخب. عوامل عدة ساهمت فى هذا الفوز، أولها فشل الحملة العنصرية الشرسة التى قادها منافسه المحافظ لتحويل المعركة ضد المسلمين، وإخافة الناخبين من أصوله العرقية الآسيوية والدينية الإسلامية والاجتماعية الفقيرة. فلأنه مسلم ينتمى لأسرة متواضعة يعمل والده سائقاً وأمه خياطة فقد دمغه بالإرهاب والارتباط بالمتطرفين ومنحهم غطاء لتطرفهم، فيما قدم «سميث» نفسه للناخبين بوصفه أرستقراطياً وسيماً وثرياً وشاباً، لو نجح كما قال فى برنامجه، مفاخراً سيصبح «أعظم من تولى منصب عمدة لندن على الإطلاق». ذكاء وثقافة خان المحامى العاصمى والمدافع الدءوب عن الحريات المدنية، الذى انتمى لحزب العمال البريطانى وهو فى الخامسة عشرة من عمره، كان أحد الأسباب الرئيسية لإفشال هذه الحملة، إذ قال بوصفى مسلمًا سأكون أكثر قدرة على معالجة مشاكل التطرف، ودمج المهاجرين فى المجتمع البريطانى.

نتائج الفوز تعكس بوضوح، أن معظم الناخبين من أعراق وديانات وفئات اجتماعية مختلفة، بينهم نسبة كبيرة من المسيحيين البيض ممن منحوا أصواتهم لخان، لم يأبهوا لعامل الخوف الذى رفعه منافسه عنواناً لحملته الانتخابية الطبقية والعنصرية، وأنجحوه برغم أنه مسلم وفقير وملون ومهاجر من مستعمرة بريطانية سابقة!

يعكس هذا الفوز، دون أدنى شك، رفضا من الناخب البريطانى لسياسات حزب المحافظين الحاكم الاقتصادية والاجتماعية، التى عمقت من التفاوت الاجتماعى بين الفقراء والأغنياء، ورفعت معدل البطالة، وبدلاً من الاعتراف بفشل هذه السياسات، أشاع الحزب مناخا من العنصرية ضد المهاجرين، المسلمين والعرب على وجه الخصوص، باعتبارهم حاضنة للعمليات الإرهابية التى باتت تهددهم فى عقر دارهم. كما يعكس بنفس القدر، التقدم الذى بات يحرزه حزب العمال بقيادة الاشتراكى «جيرمى كوريين»، الذى نجح فى توثيق علاقات الحزب بالأقليات، وقاد حملة انتخابية شديدة القوة لدعم خان، اعتمدت على كفاءة المرشح، وتاريخه النضالى داخل الحزب، وجدارته، وعلى الدعم البارز الذى منحته الحركة النقابية العمالية، لمعركته الانتخابية.

قال خان إن الدرس الذى ينبغى أن يتعلمه حزب العمال من فوزه، أنه لا يمكن أن تتجاهل رغبات الناخبين. أما الدرس الذى ينبغى أن نتعلمه نحن فى بلادنا من هذا الفوز فهو أن الديمقراطية لا تقتصر على مجرد إجراء الانتخابات وتشكيل المجالس النيابية، أنها لا تتحقق سوى بتوفير المناخ القانونى والدستورى والتشريعى الذى يضمن أن تعبر عن إرادة حقيقية للمواطنين فى دولة مدنية، تصون مبادئ المواطنة التى تقر بالحقوق السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية المتساوية لجميع مواطنيها دون تمييز، وتكفل الحق فى حرية التعبير والرأى والاعتقاد والفكر والتنظيم والعمل لكل التيارات السياسية، وحرية ممارسة الشعائر لكل الأديان والمذاهب، بما يجعل الدين يعود إلى مجاله الطبيعى فى لعب دوره فى إسعاد البشر وتطور المجتمعات ونهضتها، فى إطار من دولة الحق والقانون والمؤسسات.

فى ظل هذا الغنى والثراء الذى انطوت عليه الديمقراطية البريطانية، تمكن صادق خان الفقير المسلم والمهاجر، من التعلم والترقى المهنى والصعود الاجتماعى والسياسى دون أية إعاقة، وهزيمة المخاوف العنصرية وإشاعة الأمل، فيما أخفقت قواعد الديمقراطية فى بلادى فى تعيين محافظ غير مسلم!