على فكرة
الاستثمار فى البشر
إذا كنت تخطط لسنة فاغرس بذرة ، وإذا كنت تخطط لعشر سنوات، فازرع شجرة، وإذا كنت تخطط لمائة سنة فعلم الناس. فعندما تزرع بذرة مرة واحدة، فإنك تحصد محصولاً واحداً، وعندما تعلم الناس تحصد مائة محصول.
الكلام السابق هو حكمة قديمة لفيلسوف صينى يؤكد بها أن عناصر قوة الأمم تكمن أساساً فى الاستثمار فى البشر، وهو معنى أظنه لم يكن حاضراً فى بيان الحكومة، الذى ألقاه رئيسها المهندس شريف إسماعيل الأحد الماضى. والدليل هو اعتبار البيان الكثافة السكانية، بوصول تعداد مصر إلى تسعين مليون نسمة، عبئاً على الاقتصاد المصرى، وسبباً مباشراً فى تدنى مستوى الخدمات . وجدير بالملاحظة أن كل بيانات الحكومات المتعاقبة منذ عهد الرئيس السادات حتى اليوم تجأر بالشكوى من الزيادة السكانية، دون أن تغير من السياسات التى ساهمت فى تفاقم تلك المشكلة، وبينها عدم المكافحة الجادة للفسادين المالى والادارى، والتخبط فى محاولات الارتقاء بالمستويين التعليمى والثقافى، والتشوه الاقتصادى والاجتماعى، الذى زاد من حدة الفقر، ووسع الفجوة بين الأثرياء والفقراء، وبين المدن الكبرى والأرياف ، ودهور المستوى المعيشى لقطاعات كبرى من السكان، ورهن ميزانية الدولة، لموارد غير ثابتة، كالسياحة وتحويلات العمالة المصرية فى الخارج، وموارد قناة السويس. وفى ظل هذه الأوضاع، سوف تلتهم الزيادة المطردة فى عدد السكان، كل محاولات جزئية لأى اصلاح، لأنها تفتقد لرؤية شاملة، تسعى للاستفادة من اخطاء السياسات القائمة، والتعلم من دروس التجارب الخارجية ، التى واجهت مشكلة الزيادة السكانية بخطط طويلة المدى للنموين الاقتصادى والاجتماعى. وتعد التجربة الصينية نموذجاً ومثالاً لذلك، فعدد سكانها يبلغ أكثر من خمس سكان العالم، ونجحت مع ذلك فى السيطرة على هذه المشكلة فى ظل اقتصاديات السوق الاجتماعى التى تقودها منذ أكثر من 30 عاما، باتت بها ثانى أكبر قوة اقتصادية فى العالم، وأوشكت أن تتصدر الموقع الأول خلال بضع سنوات. وضعت الحكومة الصينية حدا للإنجاب للأزواج فى المدن بابن وحيد، مع محفزات فى الخدمات التعليمية والطبية وتوفير فرص العمل لهم، بينما لم تطبق ذلك فى الريف والمناطق ذات الطبيعة الرعوية والأقليات القومية، استنادا إلى سياسة السوق الاجتماعى القائمة على نموذج للتنمية ترعاه الدولة، بجانب قطاع عام قوى، يعمل فى صناعات ناقلة للتكنولوجيا الحديثة والمتطورة، بما ينهض بالتصنيع، ويرفع مستوى المعيشة، ويوفر دخلاً عادلاً لمعظم السكان، وهو ما حول الكثافة السكانية فى الصين من عبء على اقتصادها إلى طاقة انتاجية مثمرة.
وإذا استمر الحال كما هو، دون العودة للإنتاج، وتطوير قوى الانتاج المحلية، وإعادة إحياء الشركات الكبرى التى شكلت قاعدة انتاجية كبيرة، فى مجالات الحديد والصلب والنسيج والألومنيوم، والتصدى بحسم للفساد، الذى استنزف ثروات مصر القومية، وحطم معنويات المصريين، فإن شماعة الزيادة السكانية كعبء على الاقتصاد، ستظل مشهرة دون حل!