فى مديح الكومبارس
تذكرها كثيرون فقط هذه الأيام بعدما فارقت الحياة. امتلأت شبكات التواصل الاجتماعى دعوات بالترحم عليها والدعاء لها بالمغفرة، والتمنيات المخلصة أن تكون الجنة مثواها الأخير، وتم نشر صورها على كل المواقع، ليعلم الجميع ربما للمرة الأولى أن اسمها هو «فايزة عبد الجواد». واحدة من أشهر الكومبارس فى السينما المصرية، التى ظلت تعمل بها وفى مسلسلات التليفزيون على امتداد نحو 55 عاما، منذ أن اكتشفها الفنان رشدى أباظة عام 1957، أثناء تصوير فيلم «تمر حنة» فى المناطق التى تقام بها الموالد الشعبية، حيث تدور أحداث الفيلم. لفتت ملامحها الشعبية الحادة نظر رشدى أباظة، وهى تقف مبهورة مع بعض أبناء الحى الذى تقطن به، لمتابعة تصوير مشاهد الفيلم، الذى يؤديها بجانبه نجوم كبار لامعون مثل نعيمة عاكف وأحمد رمزى وفايزة أحمد وسراج منير واستيفان روستى، فاقترج على مخرجه حسين فوزى ووافق، على أن يضمها إلى المجاميع التى ترافق الغجرية بطلة الفيلم الفنانة البديعة نعيمة عاكف وهى وتغنى وترقص فى الموالد. ومنذ ذلك التاريخ شاركت فايزة عبد الجواد ككومبارس فى نحو مائة فيلم ومسلسل، فى أدوار السجانة والبلطجية والشريرة التى تؤهلها لها ملامح وجهها ونبرات صوتها التى تتميز بالقوة والخشونة، كان آخرها دورها فى فيلم «حلاوة روح» ومسلسل «كيد النسا» قبل أن يقعدها المرض عن العمل منذ نحو ثلاث سنوات، ويقضى عليها لأنها لم تستطع أن تتحمل تكاليف العلاج!، بعد أن فشلت كل محاولاتها عبر السنين، فى الالتحاق بنقابة الممثلين!
يحفل تاريخ السينما المصرية بقصص فنانين كبار ممن برعوا فى الأدوار الثانوية، وأسعدوا المشاهدين بحضورهم الآسر وادائهم المميز الذى لا نظير له، وخفة روحهم وظلهم إن كانوا يؤدون أدوارا كوميدية، وتمكنهم الفطرى من الاداء فى الأدوار الميلودرامية، وتركوا بصماتهم الشديدة الوضوح فى سجل هذا التاريخ، وعندما حان موعد الرحيل، ماتوا فقرا وكمدا.
معظم هؤلاء الفنانين الثانويين ، كانت حياتهم شاقة مليئة بالصعاب والآلام المعنوية والجسدية والمادية، ولم يعرف كثيرون منهم طريقه إلى مقاعد الدراسة، ولم يكن متعلما فى المعاهد الفنية، إنما قادته محبة الفن وموهبة فطرية إلى السينما والمسرح والتليفزيون وحتى الغناء. ولحكمة لا نعرفها، وربما لا حيلة لنا فيها، يلعب الحظ دورا لا يستهان به فى مصائر هؤلاء، كما فى مصائر كل البشر - فيتقدم بعضهم إلى الصفوف الأولى خطوة بعد أخرى ، وتسلط عليه أضواء باهرة تغشى العيون، فيما يظل بعضهم الآخر قابعا فى الظل فى دور الكومبارس الثانوى برغم موهبته اللافتة للنظر، و برغم أن العمل الفنى لايمكنه أن يكتمل بدونه. وغالبا ما تكون مشاهد الدور الثانوى قصيرة، لكن بعضها لاينسى، ويبقى محفورا فى ذاكرة المشاهد،تقفز أمامه لتساهم فى اشاعة البهجة، وجلب الضحكة الصافية، أو الدمعة الحارة، يستحضرها كلما عن له أن يقتنص من الحياة لحظة للفرح والسمر والصفاء. منحنا هذا الشعور بفيض زائد من موهبته النادرة «يوسف عيد» الذى كان ظهوره فى أى مشهد، قادرا بيسر وسهولة على انتزاع أصفى الضحكات من أعماق القلوب، لكن كثيرين لم يكونوا يعرفون اسمه، إلا عندما حملت الأنباء خبر موته.!
من منا يمكن أن ينسى دور الشاويش عطية، طيب القلب الخير، الذى كان يقوم به الفنان رياض القصبجى، حيث يصاحب ضحيته، ويسعى بضخامة جسده وصوته الجهورى، للموازنة بين حفظ الأمن والاشفاق عليها، فيجلب الضحكات من قلة حليته وغباء ضحيته، فى ثنائية القط والفأر فى أفلامه الشهيرة مع إسماعيل ياسين. هذا الفنان الذى غيبه الموت عام 1963 عن عمر يناهز 60 عاما، لم تستطع أسرته أن تجد تكاليف جنازته ودفنه، حتى تبرع لهم بها أحد المنتجين!
من منا يستطيع أن ينسى الموهبة الفذة للفنان عبد الفتاح القصرى، ولزماته الباسمة المبهجة التى لاتزال تجلجل فى جنبات الحياة، فى أدوار الجاهل المتعالم والزوج الخانع الذى يزعم أنه حمش، والمعلم ابن البلد خفيف الظل الفهلوى. وكان من الطبيعى أن تجتذب موهبته غير المتكررة، المخرج الكبير يوسف شاهين فأسند إليه دورا فى بطولة جماعية لفيلمه المدهش «بين ايديك» الذى كان يسخر فيه من الطبقة الارستقراطية الآفلة، ومن حالة الانكار التى تعيش فى ظلها أسرة مفلسة سليلة هذه الطبقة، ترفض التخلى عن تقاليدها، وهى تعيش على ما ينفقه عليها عم ابنائها الجزار «مدبولى أبو عظمة» الذى يعد أحد أهم أدوار عبد الفتاح القصرى .
كان القصرى ابنا لأحد تجار الذهب، وتلقى تعليمه فى مدرسة الفرير الفرنسية، وحين شغف بالتمثيل، هدده والده بالحرمان من الميراث إذا واصل السير فى هذا الطريق، ونفذ تهديده. مثل القصرى أكثر من ستين فيلما ونحو عشر مسرحيات، وفى نهاية حياته فقد بصره وذاكرته، وعانى من شظف العيش، وتوفى عام 1964 عن عمر لا يتجاوز 59 عاما، فى غرفة صغيرة فقيرة الامكانيات بحى الشرابية.
هذا المصير المأساوى لممثلى الأدوار الثانوية والكومبارس، لم يقتصر على هؤلاء، بل شمل كثيرين غيرهم من النساء والرجال. وقبل أربعة أعوام تم الإعلان عن إنشاء نقابة لممثلى الأدوار الثانوية والكومبارس فى السينما والمسرح والتليفزيون، للدفاع عن حقوقهم المادية والمعنويةالتى اعتاد سماسرة الانتاج استغلالها، وتقديم الخدمات الطبية والسكنية والترفيهية لهم، على غرار ما تقوم به النقابات من خدمات لأعضائها، ثم توقف الحديث عن هذه النقابة، إلى أن فوجئنا قبل أيام قليلة بنشر خبر، أتمنى أن يكون صحيحا، يقول إن الاستاذ «إبراهيم عمران» رئيس جمعية الكومبارس، قد انتهى من اجراءات إنشاء نقابة للكومبارس تحت اسم نقابة ممثلى الأدوار الثانوية، لحمايتهم من عمليات النصب التى يتعرضون لها على أيدى بعض صغار المنتجين، ومن ظروف عمل غير انسانية، وأن الفنان الجميل «خالد صالح» قد تبرع قبل رحيله بما يكفى لتمويل انشائها.
أما أغرب ما انطوى عليه هذا الخبر الهام، ليس فحسب اعتراض نقابة الممثلين غير المبرر على انشاء هذه النقابة، بل ايضا العمل على عرقلة ظهورها ، على طريقة لاترحم ولا تريد لرحمة الله أن تسود.
كل من يمتلك ضميرا حيا فى هذا البلد عليه أن يدعم إنشاء هذه النقابة ، حتى تكون فايزة عبد الجواد آخر كومبارس تموت لأنها لا تملك نفقات علاجها.