أبيع نفسي
أصبحت الطبقية فيروس ينتشر في أفئدتنا، وللأسف نحن من صنعناها داخلنا لتتوغل في أعماقنا وتندثر لتصيب المجتمع بأسره، فها نحن نجيد تعزيزها حتى يزداد الثري ثراءً ويزداد الفقير فقرًا.
تلك الطبقية التي صنعناها بأنفسنا جعلتنا نعتزم بيع أنفسنا لمن يملك تحت أقنعة نتجمل بها لننفي عنا صفة العبودية، فنحن نقبل أن نغير سلوكنا أو مبادئنا لمجرد أننا نتعامل مع صاحب سلطة أو مال أو جاه، في الوقت الذي نرفع فيه أصواتنا تنديدًا بالطبقية، وطلبًا للمساواة والعدالة الاجتماعية.
تأمل معي سائق الميكروباص الذي يتحول من ديكًا شركسيًا لدجاجة عندما يقابله ضابط شرطة، تأمله معي وهو يأمر وينهي في الركاب ثم يتحول إلى حمل وديع عندما يخبره أحد الركاب أنه سيدفع كرسيين وكأنه تفضلًا منه، تأمله معي وهو يسير بسرعة هوجاء ثم يقف احترامًا لسيارة ملاكي فاخرة، أليس ذلك يصنع من هؤلاء أصحاب النفوذ أسيادًا، ويجعلهم ينظرون إلى السائقين بأنهم مجرد خدم لديهم؟!
دعنا من السائقين فلننتقل إلى موظفي الحكومة، جرّب أن تذهب لتستخرج أوراقًا من أي مؤسسة غالبًا ما ستجد طوابير أمامك بينما الموظف يتناول الإفطار بأريحية، ولكن إن كنت صاحب سلطة أو مال فتيقن أنك ستنهي حاجتك في سرعة البرق، وأنه سيفضل الجوع لإنهاء أوراقك، ألم يجعل ذلك منهم ملوكًا يشترون بأوالهم ما شاءوا من الخدم؟ ليتحول الموظف من عامل لدى الدولة إلى عامل لدى أصحاب النفوذ والسلطة.
عندما نبحث عن عمل فإننا نركز على المقابل المادي قبل أن ننظر إلى الرسالة التي نؤديها من خلاله، لا مانع في اختيار الراتب الأنسب، الذي يتناسب ومتطلبات حياتنا، ولكن من المسيء لنا أن ينصب كل اهتمامنا على الجانب المادي، ونتناسى أن الرزق بيد الله وحده، وأنه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
إننا وببساطة نرتقي بالتعامل لمن يملك سواء سلطة أو مال أو جاه، نتقرب إلى هؤلاء من ذوي الأملاك، في حين أننا نصدّر طاقتنا السلبية لمن لم يعد لديه قدرة على التحمل، لما يعانيه من ضغوط الحياة اليومية، في رحلته الدؤوبة في البحث عن الرزق.
لقد أذرى بنا الدهر ليكشف ما تكنه ضمائرنا كشعب يصنع التابوهات ليعبدها، فجعلنا صاحب السلطة أو المال فوق النقد وأصبحت كلمة لا عاجزة على أن تخرج من شفتيك أمامه تحت خديعة "أكل العيش مر"، ثم ها نحن نندد بعجرفتهم التي صنعناها بأنفسنا داخلهم.
إذا كان الأمر كذلك علينا أن نعيد زمن الرق ونبيع أنفسنا في مزاد علني بلا تجمل أو تجميل للمصطلحات.. وانا اول من سيفتتح المزاد وأعلن اننى أبيع نفسي ولكن ليس لمن يدفع ولكني سابيع نفسي لنفسي ولضميري ولما تبقى من إنسانيتي التي شارك المجتمع في إهدارها.