مكلمخانة
«أصحاب السلطة المختصة» أولياء النعم فى جهات الحكومة
قضيت ضمن سنوات العمل الطويلة بمهنة الصحافة الكثير من ساعات العمل يملكنى شغف لا أستطيع دفعه بالاطلاع على المستندات الخاصة ببعض الموضوعات والحملات الصحفية التى كانت فى معظمها تتخذ من جهات حكومية ومؤسسات تابعة للقطاع العام مسرحًا لتداولها حيث تتعلق بأعمالها المختلفة، وخلال رحلتى الطويلة مع هذه الوثائق والمستندات طالعت وعرفت وتعلمت العجب!، ولم تكن مراجعاتى لهذه الأوراق بالدقة الواجبة قبل الكتابة بشأنها ما أكسبنى خبرة واسعة بطبيعة هذه المستندات التى تحفل بعبارات وألفاظ من تراث البيروقراطية المصرية والروتين الحكومى التى يخفى بعضها فساد وتحايلاً ليس مما يسهل كشفه بسهولة!، وقد طالعت مؤخرًا بعض ما نشر فى جريدة «الوفد» وغيرها فى قضية الفساد المالى بما سمى «فساد المليار جنيه» التى صرفت لعدد من رجال وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلى كمكافآت وحوافز لمن يحملون رتب اللواءات والعقداء من هؤلاء ويشغلون مناصب بارزة فى وزارة الداخلية، وكانت مفاجأة صاعقة أن يقوم أمين شرطة برد مبلغ يصل إلى خمسة ملايين جنيه تقاضاها فوق راتبه خلال عمله!، وذلك على سبيل المكافأة والحافز!، وما بعد هذا الرقم كانت الملايين تتصاعد أرقامها قبل الانتقال إلى خامة الألوف كلها على سبيل المكافآت والحوافز!، إثابة عن «خوارق الأعمال» التى قام بها هؤلاء دون ايضاح عما قدموه من «جلائل الأعمال» بفلوسنا التى تقاضى منها الوزير خلال إثنى عشر عامًا ـ مدة عمله وزيرًا ـ ما يقارب 500 مليون جنيه!.
لكننى ألاحظ أن هذا التراث المتراكم فى جهات الحكومة ظل ثابتًا حتى الآن لم يلحق به أى تغيير رغم تعاقب الحكومات والرؤساء والعهود!، فهناك مثلاً ما يعرف فى عالم التوقيعات والموافقات ما يسمى بـ«السلطة المختصة» التى تجيز لصاحبها فى أى جهة حكومية أن يصرف من أموال الجهة التابعة له «مكافآت وحوافز وبدلات» بالهوى والفرض إذا أراد ذلك!، رغم أن هناك قواعد منظمة باللوائح والقوانين لما يصرف تحت هذه المسميات!، لكن هذا لا يمكن أن يعيق صاحب سلطة مختصة فى منح من يشاء من العاملين فى الجهة التى يرأسها متى أراد ذلك!، فهناك خبراء لهذا الرجل من مستشاريه الذين يجيزون له أن يفعل ما يشاء شريطة أن يكون هذا فى اطار اللوائح والقوانين!، لكن العمل الذى يتلقى بشأنه هذه الإثابة أو المكافأة غالبًا ما يكون من صميم عمل العامل الذى يتقاضى عليه راتبه!، وقد اكتشفت أن الذين يستعان بهم من المراقبين الماليين فى وزارة المالية من مهندسى المكافآت والحوافز متى دعا لها صاحب السلطة المختصة!، ولكن بشرط أن يقوم بوضع أسماء المراقبين الماليين ضمن الاسماء الوارد طلب المكافآت لهم!، وليس غريبًا أن يكون ضمن هذه الأسماء الذى يختم المستند بعد كتابته على جهاز «الكمبيوتر» أو الآلة الكاتبة!، وحتى الساعى الذى يروح ويجئ حاملاً المذكرة التى نالت موافقة السلطة المختصة!، وفى حالة قضية «مليار الداخلية» فليس هناك أكبر من الوزير صاحب سلطة مختصة فى الوزارة!، ومتى قرر الوزير الملايين والألوف لمن أرادهم، فهو ولى النعم الذى لا راد لقراره السامى!، وهو الأعلم بالخوارق التى قام بها من نالوا الرضا!، وما دام المراقبون الماليون ـ من العاملين بوزارة المالية أو على المعاش ـ هم المستشارين لصاحب السلطة المختصة، فهل بعد كل ذلك يحق لأحد السؤال عن هذه الأموال؟!