كلمة حق
عودة الروح
بدأت أوروبا نهضتها الحديثة بإعادة الروح إلى اللغة اللاتينية بعد أن دخلت لقرون فى غياهب الغياب، فنحن نفكر باللغة، ونتواصل باللغة، ونبدع باللغة، واللغات مختلفة، فمنها لغات الأبجديات، وهناك لغة أخرى، لكنها لغة خاصة للتواصل بين الأرواح، وهى لغة الفن، فالموسيقى لا تحتاج إلى ترجمة لكى يفهمها الغربى أو العربى، لكنها تدخل القلوب مباشرة، ومن هنا فهى لغة بين الأرواح، لأنها لغة الكائنات، فنحن حين نستمع إلى الموسيقى، إنما نستمع إلى صوت الأخشاب والأوتار التى صنع منها الكمان والجيتار، وهكذا تصبح الموسيقى هى لغة الجمادات، وربما تتحول إلى الغناء إذا صاحبها صوت الإنسان.
فى المسرح يبدأ الصراع، لكنه صراع بين الأفكار المتعارضة، صراع يعلم الإنسان أن هناك آخر، وأن الآخر قد يكون مختلفا عنك، وباحتدام حالة الدراما والصراع، يمكن للإنسان أن يكتشف ما الذى يمكن أن ينتج عن الصراع من أخطار، وكيف يمكن تجنب نواتج الصراعات السلبية، لكننا أيضاً عندما نشاهد عملاً درامياً نجدنا دون وعى أو إدراك قد انحزنا إلى إحدى الشخصيات دون غيرها، وتبنينا مواقفها، ومن هنا يعمل المسرح باعتباره صورة لصراع الإنسان مع نفسه، ومع أفكاره، ومع غيره من الناس الذين يحملون فكراً مغايراً، وهكذا نتعلم من المسرح الاختلاف والاتفاق، وقبل كل ذلك نتعلم لغة الحوار، وقابلية الحوار.
عندما يكف مجتمع عن الغناء، وعن المسرح، وعن السينما، بل وعن حضور الجمهور فى مدرجات المسابقات الرياضية، فلا شك أن مرضا ما قد أصاب هذا المجتمع بالخرس الفنى، ونصبح فى حاجة لتأمل المشهد، والبحث عن الأسباب التى أسكتت الغناء، وأغلقت ستار الفن، وإذا استعرضنا تواريخ الفنون سوف نكتشف أن الفن لا يزدهر دون قضية، والقضية ليست بالأساس سياسية، بل هى قضية إنسانية بالأساس، فقضايا الفن قد تتمحور حول الحب، أو العدالة والمساواة، أو حول الأخلاق، ومن هنا يحتاج الفن إلى مبدعين على درجة من الوعى الفارق بقضايا مجتمعاتهم وأوطانهم، ولكى يبدع هؤلاء فلا بد من توفير المقومات الإبداعية، ويأتى على رأسها حرية الإبداع، وحرية التفكير، وحرية إبداء الرأى، وهى حريات لا يحيا بدونها الفن، وإذا انتقصت واحدة من هذه الحريات يقطع الطريق على الفن، كما تتقطع السبل بين الفنان وجمهوره.
بنظرة واحدة إلى أحوال الفن فى مصر سنجد تقلصا حادا فى الفنون دون تمييز، وظهرت نتوءات فى الغناء والموسيقى والسينما والمسرح، وأوشك الشعر الحقيقى على الانقراض، فإذا أردنا أن نستمع إلى أغنية جميلة لم نجد أمامنا سوى أغنيات الخمسينيات أو الستينيات، وكأن الإبداع توقف عند هذا الزمن، كما نجدنا نتوقف عند الأفلام الأبيض والأسود، ودلالة هذا ليس الحنين إلى الماضى، وإنما تكمن الدلالة فى عجز الحاضر عن إنتاج فنه، برغم وجود معاهد فنية تخرج سنويا دفعات من الدارسين، الذين لا نعرف ماذا يفعلون بعد التخرج، ولماذا وكيف يختفون، ومن العجب العجاب أن تكون لدينا فضائيات لا حصر لها، ولا تنتج واحدة منها أغنية واحدة، أو فيلما واحدا، برغم ميزانيات كبيرة، وإعلانات كثيرة، بل دعنا نقول إن أجر مذيع فى الفضائيات يمكن أن ينتج فيلماً.
هنا لا بد لنا أن نتوقف ونسأل: ما الذى حدث، وعلى من تقع مسئولية تراجع الفنون، إلى درجة تصل إلى حد الانقراض؟ فإذا سلمنا جدلاً أن الفنون هى لغة الأرواح، فهل نسلم أيضاً أن أرواحنا فقدت القدرة على التواصل، وكيف يمكن أن نعيد إلى جسد الفن المصرى الهامد روحه الأصيلة؟