الدبلوماسية البرلمانية ودعم الدور المصري
شهد عام 2015 إنجازات تحققت في مصر على مستوى السياسة الخارجية، وكذلك السياسة الداخلية، ولعل من أهم إنجازات السياسة الخارجية المصرية السياسة النشطة والمعتمدة على التوازن والمرونة والاستقلالية حيث توجهت مصر نحو الشرق أي نحو القارة الآسيوية والتي تضم روسيا والصين ودول النمور الآسيوية والهند واليابان، وكذلك التوجه نحو الجنوب أي نحو القارة الأفريقية والتي ينبع منها شريان الحياة لمصر وهو نهر النيل، واتجهت مصر نحو توثيق العلاقات والتعاون مع الدول الإفريقية وخصوصاً دول منابع النيل، كما اتجهت مصر أيضاً نحو المنطقة العربية ودول الخليج وذلك نظراً لارتباط الأمن القومي المصري بالأمن القومي العربي، ويلاحظ أن هذه التوجهات المهمة في السياسة الخارجية المصرية لم تكن على حساب طرف آخر بالضرورة أي لم تكن على حساب العلاقات القوية والمهمة بالولايات المتحدة الأمريكية أو دول أوروبا الغربية، كما شهدت مصر على مستوى السياسة الداخلية تطوراً مهماً وهو استكمال المؤسسات السياسية بتشكيل مجلس النواب المنتخب والذي يعبر عن انتهاء مرحلة الفراغ المؤسسي الذي عانت منه مصر لعدة سنوات سابقة نتيجة لغياب المجلس التشريعي.
وانطلاقاً من هذه التطورات المهمة عقدت لجنة العلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة ندوة سياسية مهمة عن الدبلوماسية البرلمانية ودورها في دعم الموقف المصري إقليمياً ودولياً وذلك بحضور سعادة السفير محمد العرابي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب والذي تناول دور وتأثير الدبلوماسية البرلمانية وكيفية توجيهها نحو دعم الدور المصري والسياسة الخارجية المصرية، وأعقب كلمة سعادة السفير العرابي مناقشة ثرية مع السادة أعضاء لجنة العلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة والسادة الحضور، ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى بعض الملاحظات المهمة والتي تم التأكيد عليها في هذا اللقاء أهمها ما يلي:-
أولا: إن الدبلوماسية البرلمانية هي أحد أشكال الدبلوماسية المستحدثة نسبياً، حيث ظهرت إلى جوار الدبلوماسية التقليدية (دبلوماسية السفراء ووزارة الخارجية) أشكال أخرى من الدبلوماسية مثل دبلوماسية القمة أي دبلوماسية القادة والزعماء والتي تتسم بما تحرزه من إنجازات في فترة زمنية قصيرة وتكون متحررة من كثير من التعقيدات، كما توجد أيضاً الدبلوماسية البرلمانية والتي تتم من خلال تبادل الوفود البرلمانية وبحث قضايا مهمة تتعلق بمصالح الأطراف المعنية، وإمكانية إدخال تعديلات في التشريعات أو إصدار تشريعات جديدة بما يحقق المصالح المتبادلة، كما توجد أيضاً الدبلوماسية الشعبية والتي يمكن أن يشارك فيها أفراد من الشعب لا يحترفون العمل الدبلوماسي ولكنهم يتمتعون ببعض الصفات والخصائص والكفاءات والاهتمام بالعمل العام والانشغال بقضايا الوطن مما يمكنهم من القيام بأعمال تنطوي على إضافة للدبلوماسية الرسمية، ولذلك يمكن القول إن الدبلوماسية البرلمانية هي أحد الأشكال المهمة والمستحدثة للدبلوماسية.
ثانياً: إن الفترة التي أعقبت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة قد شهدت تزايداً مكثفاً في الاهتمام بالدبلوماسية البرلمانية والدبلوماسية الشعبية، حيث كانت هناك محاولات للتواصل الشعبي وعدم الاقتصار فقط على الأطر الرسمية، وبالنسبة لمصر فقد كان للدبلوماسية البرلمانية والشعبية دورها في تقوية وتدعيم ما يتم التوصل إليه من خلال دبلوماسية القمة والدبلوماسية التقليدية ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى نماذج روسيا والصين والسودان مما يعبر عن ضرورة التكامل والترابط بين الأشكال المختلفة من الدبلوماسية بمعنى أنها تسير كلها في نفس الاتجاه وتسعى إلى تحقيق نفس الهدف وهو الحفاظ على مصالح الوطن وأمنه القومي.
ثالثا: إن الدبلوماسية والسياسة الخارجية يمكن أن تكون قاطرة التنمية وكذلك فإن السياسة الخارجية الناجحة والدبلوماسية الناجحة هي التي يستفيد منها الداخل وتؤثر ايجابيا على عملية التنمية من خلال جذب استثمارات وإقامة مشروعات وإيجاد فرص عمل وتحقيق استفادة مباشرة وخصوصاً للفئات الأكثر فقرا وإيجاد فرص للعمل ومكافحة البطالة، ولذلك لا يكون من الغريب أن تتواجد في الزيارات الخارجية شخصيات من رجال الأعمال والمستثمرين إضافة إلى الشخصيات الرسمية وذلك بهدف التعاون مع القطاع الخاص والمستثمرين، فضلاً عن التعاون على المستوى الرسمي ومما يضفي درجة كبيرة من الأهمية على الدبلوماسية البرلمانية والشعبية في هذا الإطار.
رابعاً: ضرورة الاهتمام بتدعيم وتنشيط الدبلوماسية البرلمانية وذلك من خلال لقاءات وتعاون مشترك بين البرلمان ولجانه النوعية وبين المراكز البحثية والجماعات ولجنة العلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة، وبحيث يتحقق المناخ الملائم لتبادل الآراء والمشورة واتخاذ القرارات السليمة والارتباط بين الجوانب النظرية والأكاديمية والجوانب العملية والتطبيقية وبما يحقق مصلحة الوطن.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة