يا أهلاً بالبرلمان
رحم الله أمى رحمة واسعة، فهى التى بثت في روحى ومازلت طفلاً حب ثورات الشعوب للحرية والديمقراطية، وكم من مرة حكت لنا مشاركتها في ثورة شعب مصر عام 1919 وأنها كانت تصحب بنات الحى للمشاركة في ثورات شهر مارس 1919 عندما اعتقلت سلطة الاحتلال سعد زغلول ورفاقه.
وتحكي أمي الجميلة كيف أنها والبنات الصغار كن يجرين نحو البحر يهتفن مع الجماهير «يحيا سعد باشا زغلول ويسقط الاحتلال البريطانى».
وظلت حكايات أمي الثورية في خاطرى وفي فمى كما تقول الأنشودة الوطنية حتي دخلت مدرسة سعيد الابتدائية بالإسكندرية، وكم من مرة خرجنا من المدرسة للانضمام إلى حشود المتظاهرين القادمين من كلية العلوم القديمة، ونهتف بكل حناجرنا «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، وكثيراً ما كانت المظاهرات التي تضم العمال والطلاب تتوجه إلي تل كوم الدكة، حيث كان يعتليه معسكر الاحتلال البريطانى ونلعن بريطانيا والبريطانيين المستعمرين الذين يردون علينا بطلقات الرصاص الحى، ونصبت مدرسة العباسية الثانوية شاهداً لقبر أحد الطلاب الشهداء حتى بعد جلاء البريطانيين عن الإسكندرية وذهابهم للتمركز عند قناة السويس إلي أن أذن الله برحيلهم نهائياً عام 1954.
وقبل رحيلهم عن الإسكندرية أتى زعيم الأمة مصطفى النحاس للإسكندرية وخرج شعب الإسكندرية للقائد عند محطة مصر كما يسمونها، فمنعه البوليس من النزول بالمحطة وجرينا خلف القطار نهتف «يا نحاس يا نحاس ضربونا بالرصاص» إلي أن جرت انتخابات البرلمان عام 1950 ولم أكن قد بلغت سن الانتخاب ولكن عشقى لانتخابات البرلمان جعلنى أقصد سرادقات المرشحين من الوفديين والسعديين وأذكر أن مرشحاً كان شخصية وفدية كاسحة كمحام كبير حمل اسم عبدالفتاح باشا الطويل رحمه الله، وقد فاز بأغلبية كاسحة على مرشح السعديين، وشكل الوفد آخر حكومة برلمانية ديمقراطية حرة ولم يكن يوجد تليفزيون حتي نتابع نشاطها البرلماني ولكن جريدة المصرى كانت منفذاً إليهم لمتابعة خطبهم ومناقشاتهم وعظمتهم.
ولنتخطى الفترة الناصرية من 52 إلى 1970 ففيها بما فيها من عظمة وعليها ما عليها من نكبات بكينا فيها بالدموع الساخنة.. أى والله بالدموع الساخنة.. ونحن نرى جيشنا يجر أذيال الهزيمة في نكسة 67 والتي مسحتها مناديل الفرح المعطرة بنصر أكتوبر 1973، وانتشينا بحلاوة النصر ثم بحلاوة الانتخابات البرلمانية الحرة النزيهة الشفافة عام 1976 ودخول رموزنا السياسية الكبيرة لساحة البرلمان الذي لم يطبقه الرئيس السادات وأصدر قراراً بالحل مع حل وسطنا بمبادرته الشهيرة بزيارة القدس عام 77 وكامب ديفيد عام 1978 والمعاهدة المسماة معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979.
ولنتخطى مرة ثانية رحلة السادات ورحم الله الجميع، فقد دخلنا مرحلة الثلاثين عاماً والرئيس مبارك حاكماً عسكرياً بحكم قانون الطوارئ الذي صاحبه حتي قيام ثورة 25 يناير 2011، وإسقاطه بما له وما عليه، وإن كانت الأخيرة أكثر وأضل سبيلاً.. وياما كتبنا مقالات ضد تزوير انتخابات البرلمانات حتي نفد صبرنا علي حكم الغم والهم بمقال نشرناه بعنوان «اللهم أنزل علينا صاعقة من السماء».. واستجاب ربنا سبحانه وتعالى وأنزل الصاعقة علي نظام الحكم في 25 يناير 2011 وحرم رئيسه من نعمة الخروج من قصر الرئاسة ماشياً على قدمه.. ولكنه سبحانه وتعالى لم يحرم من خلفه في القصر من الخروج ماشياً علي قدميه.. ولكن إلى محكمة الجنايات التي تحاكمه عما جرى بعدما ثار عليه شعب مصر رافعاً لافتات كبيرة تقول له «ارحل».. ورحل ببركة ثورة شعب مصر في 30 يونية 2013 وعادت بي الذاكرة لحكايات ثورة شعب مصر عام 1919 وصورة والدتى الثورية من أبناء وبنات سعد باشا زغلول.
ولن أتخطى هذه المرحلة التي توجها الشعب بانتخاب البرلمان الذي افتتحه أكبر الأعضاء سناً وكان ذلك من نصيب المستشار بهاء أبوشقة زعيم الكتلة الوفدية بالبرلمان والمختار رئيس اللجنة للشئون الدستورية وكأنه يمد حبل الوصال مع أول برلمان وفدى بعد ثورة 1919 وصولاً لثورة الثلاثين مليون مصرى في 30 يونية 2013 وبرلمانه الجديد الذي نستقبله بالترحاب.