بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

ضربة قلم

فساد رئيس وزراء

كان روبرت ولبول افسد وزير عرفته إنجلترا في تاريخها , لكنه أيضاً من اكفأ وزرائها.. عاش في عصر كان الفساد فيه هو عين الحكمة. مات إخوته الكبار فأصبح الوريث الوحيد لثروة الأسرة التي كانت تسيطر علي ثلاث دوائر انتخابية مما دفعه للتحول من اللاهوت الي السياسة. وحين بلغ الخامسة والعشرين من عمره صار عضواً في مجلس العموم عن حزب الأحرار, وبفضل اتصالاته وماله وذكائه وتفوقه في الإدارة المالية أصبح وزيراً للخزانة عام 1708 وبعد أربع سنوات عزله المحافظون الفائزون وزجوا به في غياهب برج لندن بتهمة الفساد. ولكن رنين الفلوس أقوي من صليل السيوف، فلم يلبث كثيراً في سجنه وأفُرج عنه وأعُيد انتخابه وعُيّن وزيراً للخزانة وأجبروه علي الاستقالة مرة أخرى بعد عامين. وعندما انهارت شركة بحر الجنوب تذكر خصومه قبل مؤيديه تحذيراته واقتنعوا بصحه إنذاراته وأيقنوا بأنه الاصلح لرد إنجلترا الي حالة الاستقرار المالي. وبعدما عاد إلي منصب وزير الخزانة أوقف وسيطر علي حالة الذعر وجعل مصرف إنجلترا ضامناً لالتزامات الشركة وسدد ديونها للمساهمين والمضاربين البالغة 7 ملايين جنيه. وكان أول رئيس للوزراء يتخذ داوننج ستريت مقرا رسمياً للحكومة.. «ولبول» لم ينل حظاً من التعليم غير عام واحد قضاه في الجامعة. ويرى «هوراس» أن أباه «عرف البشر لا كتاباتهم واسترشد بمصالحهم لا بنظمهم»!!. إما الأخلاق فلم يكن له منها حظ ولانصيب ولم يبال بأى انتقادات لسلوكياته المشينة وعلاقاته النسائية.. استعمل « ولبول» المال ليشترى أعضاء البرلمان كأسلوب للتشحيم والتليين واحتفظ باحتياطي سرى وحجرة خاصة لشراء الكراسي والأصوات والصحفيين بالجرائد التي ظهرت وانتشرت في عهده. وأنفق 50 الف جنيه سنويا لإعانة الصحف التي تتبني وجهة نظره وحث الملك جورج الأول علي انشاء «وسام الحمام الأسمي» بعد أن رأى حكم الرجال بالأوسمة أرخص وأقل تكلفه من شرائهم بالمال.وحين فرض ضريبة الإنتاج لمواجهة تهريب التبغ والنبيذ وسمح بتفتيش أى بيت في أى وقت للقبض علي المهربين عارضه أعضاء البرلمان وقالوا له إن الرشاوى التي يتقاضونها تتجاوز حدود فسادهم , لأن هذه الضريبة تمثل عدواناً علي الحرية البريطانية!!. وسقط روبرت ولبول في النهاية في أعقاب حملة قوية من الصحف والصحفيين.. الصحافة في بريطانيا اصبحت قوة لايستهان بها بعد اختراع الطباعة ففي عام 1714 كان هناك 11 جريدة تصدر بانتظام في لندن معظمها أسبوعي وبعد 19 عاماً زادت الي 17 صحيفة وفي سنة 1776 اقتربت أعدادها من 53 جريدة كان أكثرها تموله الأحزاب السياسية وكلما رفع الشعب صوته اشترى رجال الأعمال الموسرين الجرائد لإملاء أفكارهم والدفاع عن مصالحهم ثم تحولت الإعلانات الي وسيلة للتمويل والضغط.. بلغت سطوة الصحافة ونفوذ الصحفيين الي درجة جعلت نائباً في مجلس العموم يقف شاكياً من أن « شعب بريطانيا العظمي تحكمه قوة  لم يسمع بسلطانها في أى عصر أو بلد وهذه القوة لاتكمن في إرادة الملك المطلقة ولا قرارات البرلمان ولا في قوة  الجيش ولا في نفوذ الاكليروس. إنها حكومة الصحافة فالبضاعة التي تحفل بها صحفنا يتقبلها الشعب باحترام يفوق احترامه لقوانين البرلمان وآراء الكتاب التافهين لها وزن اثقل من رأى خيرة السياسيين في المملكة».. الفساد عرض وطلب وموجود في كل زمان ومكان والدول التي تقدمت بدأت بمحاربة الفساد وحرية الصحافة والإعلام لاتعني نفي الأسس بل إعادة تشكيلها.