أوراق مسافرة
«شمحطية» فى مدارس أجنبية
على بعد أمتار من باب مدرسة مفترض أنها لغات وبها نظام تعليم أجنبى دولى، فى حى مفترض أنه راق وهو حى المعادى، كانت صرخات الصبية جميلة الوجه تنبعث وهى تتلقى اللكمات على وجهها والركلات، وتحاول بدورها أن توجه لكمات وركلات للصبى الذى كان «يزنقها» على سيارة ملاكى ويضربها بقسوة غريبة، دقائق هى الدهر مرت وأنا أحاول أن أجد موطئا لسيارتى لأتوقف وأغادرها مهرولة الى الثنائى المشتبك فى معركة حامية الوطيس جعلت الدماء تتفجر من شفاه الصبية ومن يد الصبى الذى كان نصيبه عضة «بالدم»، بصعوبة بالغة وأنا أصرخ فيهما تمكنت من فصلهما عن بعض، كانت كلماتى لهما لا تسمع وكأنهما أصمان: «يا ولد، يا بنت.. عيب كده، أنت راجل.. دانتى يا بنتى آنسة، عيب تخلى حد يمد ايده عليكى.. يا بنى عيب الرجولة أنك تحمى زميلتك مش تضربها .... إلخ».
الأغرب من اشتباك الولد والبنت فى سن الثانية عشرة بهذا الشكل الهمجى البشع أمام مدرستهما ذات التعليم الاجنبى، أن شكلهما أولاد ناس من شياكة الزى المدرسى والحقيبتين الثمينتين الملقاتين على الرصيف وسط الأحجار والتراب، والأغرب أيضا أن كل المارة كانوا يعبرون على المشهد ويمرون مرور الكرام، وكأن شيئا لا يحدث، أو كأنه مشهد عادى اعتادوا على رؤيته مرارا وتكرارا فلم يعد يستوقف أحدهم أو يستدعى تدخل أحد لإنقاذ فتاة فى مطلع المراهقة من اعتداء صبى فى نفس السن الحساس الصعب.
لقنت كلا منهما درسا سريعا فى الأخلاق والأدب وحسن الزمالة والسلوك، وكان من الولد ان هب في وجهى «ما هى اللى بتلقح عليا بالكلام وبتشتمنى قدام زميلى» وإذا بالبنت تقول: «هو اللى بيضربنى ويتف عليا كل ما يشوفنى ويقولى كلام وسخ ويا تخينة أمام زمايلى أسكتله يعنى، لا والله دنا أموته هو فاكر نفسه راجل ولا إيه لا ده أنا والبنات نتلم عليه نقطعه هو وصحابه».
وهكذا.. يا سادة كانت لغتهم وكان سلوكهم المريع، ونظرا لضرورة انصرافى لأمورى، لم أستطع تقديم المزيد من النصح ولا الاستماع لمزيد من لغة الشوارع التى تتحدث بها فتاة جميلة رقيقة الملامح.. بنت ناس وتتعلم فى مدرسة على النظام الأجنبى، أى مفترض أنها من وسط راق وفى مدرسة وحى راقيين، وكذلك الولد، فإذا بها وبه ليسا إلا «شمحطية» فى مدارس أجنبية، ولا عزاء لعشرات الآلاف التى ينفقها الآباء لتعليم أبنائهم تعليما راقيا وأخلاقهم فى هذا الحضيض.
للأسف.. هذا يحدث يوميا وأمام كل مدرسة من مدارسنا سواء اختلف اسم المدرسة أو اختلفت نوعية ونظام التعليم من قومية الى تجريبية الى لغات الى دولية، أولادنا صاروا إجمالا «شبيحة وشمحطية» ولا حول ولا قوة الا بالله ولا راد لقضائه، كيف صار أولادنا زهراتنا كذلك، كيف صرنا نرى سلوكهم غير السوى ومشاجراتهم وقسوتهم فى تعاملاتهم ولغتهم الهابطة وأخلاقهم المتدنية «الشوارعية» مع بعضهم البعض، فى البيت، فى المدرسة، فى الشارع دون أن نتوقف أو نهتم، أو نقلق أو نخاف من انهيار أخلاقهم وانحراف سلوكهم، وعنفهم بعد أن صاروا أكثر عنفا من أولاد الشوارع الذين نشأوا فى أوكار الجريمة، كيف سمحنا لأنفسنا آباء وأمهات بأن نشجع فيهم العدوانية، ورد «الصاع صاعين» لمن يقترب منهم، والتخلى عن خلق التسامح والمودة، عن كل الأخلاق الكريمة التى تبدل السيئة بالحسنة.
فمما يؤسف له، كثير من الأسر فى مجتمعنا اليوم، صاروا يرون أن من الغباء أو ضيق الأفق التقيد بالمبادئ والقيم والتسامح والرحمة فى التعامل مع الاخرين ويرون ان الطيبة «عبط» والتسامح «هبل» وتنازل عن الكرامة، والعطاء خيبة، والأخذ بالقوة انتصار، وبالتالى باتوا ينقلون هذه المبادئ اللا أخلاقية الى أطفالهم، اعتمادا على أن الدنيا صارت «غابة» وأن البقاء فيها للأقوى لا للأصلح، وأن عليه أن «يتغدى» بغيره قبل أن «يتعشى» به الآخر، فضاعت القيم والأخلاق الحقيقية لدى الأطفال، واختلطت لديهم قدرة التّمييز بين الصّواب والخطأ ليحصد المجتمع مرارة تخريج أجيال جديدة قاسية القلب عنيفة بلا رحمة بالكبير أو الضعيف، ويفوت الآباء أنهم أول من سيحصدون ما زرعوه فى أطفالهم، فلن يجدوا من أطفالهم من شيخوختهم إلا الجحود والنكران والقسوة وعدم الرحمة.
علينا جميعا أن نتيقظ ونعود لصوابنا وأخلاقنا قبل فوات الأوان، أرجوكم يا كل الآباء والأمهات فى بلدى الحبيب، أرجوكم يا كل المعلمين فى كل مراحل التعليم، أرجوكم ازرعوا فى اطفالنا الحب والخير.. التسامح والرحمة.. قبول الآخر والتعامل مع اخطاء الاخرين برحمة وحكمة وتعقل، ارجوكم شذبوا فيهم رده الفعل العنيفة، دربوهم على التعامل بمنطق العقل لا القوة، لا تحولوهم الى حيوانات فى غابة.. الى وحوش تفترس ما حولها بلا رحمة، أرجوكم حاوروهم، وعلموهم الحوار لا الصدام وفرض الرأى، علموهم الكلمات الطيبة واغرسوا بداخلهم رفض العيب، وأن هناك كلمات ليست لطيفة وغير مناسبة لا يجب استخدامها، احموهم من كل مشاهد العنف التى يتعرضون لها فى التليفزيون فى أفلام الرّسوم المتحركة، ونشرات الأخبار، دربوهم على ردود افعال ضبط النفس لا العنف والاندفاع، علموهم كيف يتحركون لحماية الضعفاء والمساكين وإنقاذ المحتاجين، والتخلى عن السّلبية واللامبالاة، جنبوهم انفعالات الطّيش والبربرية التى يتسلح بها دعاة القوة والغلبة وعشاق السيطرة على المجتمع بالذراع كحيوانات الغابة، اعيدوا الى المصريين طيبتهم وتسامحهم وروحهم الحلوة التى كنا نتغنى بها بين كل العالم، اعيدوا الى مصر الحب لتحصدوا الحب فى اجيال هى أمانة فى رقابكم، فكلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته وستسألون وتحصدون نتيجة ما تزرعون فى الدنيا والآخرة.