بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الشامتون فى الوطن

 

 

حب الوطن فطرة أم اكتساب؟ غريزة أم صناعة؟ القرآن يؤكد أنها غريزة فى أكثر من مشهد، لعل أولها دعاء الخليل إبراهيم للبلد الحرام بقوله (رَبِّ اجْعَل ْهَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) فالخليل يطلب الخير والعطاء لبلده ووطنه، يطلب سعة رحمة الله، تلك الرحمات ذاتها التى طلبها النبى الكريم، حين رفض الدعاء على قومه قائلاً: «لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله»...

 فى مشهد بليغ، ترق له القلوب، وتنساب له الدموع.. قوم يؤذون رجلاً من بينهم، عزموا على إخراجه، ساموه سوء العذاب هو وصحبه، سخروا منه مراراً،أذاقوه لباس الخوف والجوع تكراراً، حاصروه هو وقبيلته بلا ماء ولا طعام.. طلقوا بناته... بالغوا فى سبه ولعنه، مرة يقولون ساحرا، وأخرى يقولون شاعرا، وثالثة يقولون كاهنا، ورابعة يقولون مجنونا، وخامسة وسادسة ومائة.

لم يزده الأذى إلا حلماً، ولم يزده البلاء إلا صبراً، فلما أزفت آزفة الخروج، لم يراع الجميع إلا عبرات ذكية تسكب، وكلمات ندية يمزقها الحزن وسط نظرات محفوفة بالشوق «والله يا مكة إنك لأحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إلى قلبى ولولا أن أهلك أخرجونى منك ما خرجت».

كلمات ينبض كل حرف فيها بالحب وتمنى الخير، خرجت من فم مظلوم ضن عليه وطنه بالعيش الكريم وضيق عليه سُبل العيش والحياة مع أنه ما جاء إلا بالخير والحق والعدل، سمو فى الرسالة تقابله دناءة فى الرد وقسوة فى الحكم وضعف فى الفهم والتدبر.

وتمر الأيام تترى ليثبت النبى الكريم، صدق حبه وصفاء جنانه، ليقبل صلح الحديبية ببنوده الظالمة حرصاً على أمن بلده، وليدخلها فاتحاً لها بعد سنوات عجاف طال أمدها، يدخلها سراً لئلا تراق الدماء، فلم يعُد إلى مكة منتقماً، بل رؤوفاً رحيماً باسطاً يد المحبة والسلام فى كلمات خرجت من ذات مشكاة كلمات الحنان التى قالها حين خروجه، ليقول حين دخوله « اذهبوا فأنتم الطلقاء».

أى رحمة تلك.. وأى حنان هذا.. وأى انتماء وولاء ذاك للوطن؟

إنه حب المخلصين وإخلاص المحبين، حب فيه أنين، ولكنه أنين الشوق والوله لا أنين الشماتة والطمع، أنين العاشقين لا أنين المغرضين والسفهاء، الذين يتصيدون المصائب للوطن، ولا يتورعون عن إعلان شماتتهم فى مصائب وطن بنى جنسهم، لا أقول وطنهم، فليست الأوطان بمحل للشماتة عند بنيها فى أسوأ الأحوال.

والذين يبررون تلك الشماتة بأنهم ليسوا أنبياء، وأن النبى  كان محباً لوطنه داعياً لأنه نبى معصوم، إذن فماذا تقولون فى رجل ليس بنبى، بل هو من أبناء عصرنا، عانى ظلم العنصرية، ولبث فى السجن ما يزيد علي ربع قرن، سامه بنو قومه سوء العذاب هو وأتباعه، ثم خرج من السجن معلناً بناء الدولة، مستبدلاً ثقافة «إما... أو» بثقافة «معاً»، إنه نيلسون مانديلا، ذاك الرجل الذى شيد صرحاً عالياً للقيم والمبادئ تتعاقب الأجيال دراستها، وتتوارث روعتها وبهاؤها..

ذاك هو الإخلاص الحقيقى للوطن، والحب الحقيقى لتراب الوطن، أتمناه فى أرفع مكانة على يد من يكون، الشخص لا يهمنى بقدر ما تشغلنى رفعة هذا الوطن وتحقيق نهضته، أما أن يتصيد بعض المرجفين فى المدينة هنات الوطن وأناته ليعلنوا شماتتهم الحقيرة على الملأ، وليشهروا سيف حقدهم فى وجه الوطن، فلعمرى هذا أخس دركات الانحطاط الأخلاقى، إنها أخلاق العبيد لا الأحرار، التافهين لا العقلاء، المرجفين لا المخلصين. نعم، لن تؤثر تلك الشماتة على مسيرة الوطن، لن تقدم أو تؤخر، ولكنها فقط تفضح النفاق وأهله، تُظهر الوجوه على حقيقتها، تسقط الأقنعة التى توارت خلفها الوجوه، ليمضى الوطن فى مسيرته، وسط أمواج تتقاذفه من كل مكان، نعم، ووسط صعوبات وعراقيل تعترض طريقه، لكن المسيرة أبداً لن تتوقف، ولن تزيد المحبين إلا إخلاصاً فى العمل وحباً للوطن، ولن تزيد الشامتين إلا حسرة فى قلوبهم وندماً يقضى على أبدانهم، وحزناً يقض مضاجعهم، لأن أى نجاح للوطن يعمق جرحهم ويكشف سوءاتهم ويزلزل الأرض من تحت أقدامهم. لقد فات أوان النداء بذوبان أولئك الأقزام الشامتين فى النسيج الوطنى، لا يشرف الوطن أمثال هؤلاء، لأن الوطن لا يريد الأجساد بدون القلوب، وتلك القلوب قد استشرى فيها الفساد وكراهية الوطن، فأنىّ لهم بالعودة للوطن وهم لم يتركوا فرصة تمر من أنات الوطن إلا وتهكموا وسخروا وشمتوا وسبوا وقذفوا، وكأنهم أعداء للوطن لا أبناء له، وهم بحق كذلك، ولا عجب لأن مدينة النبى، كان فيها المنافقون الذين يعيشون على أرضها ويأكلون من خيرها ويخفون فى صدورهم ما لا يبدونه، فإذا كان هذا فى حياة النبى الكريم، فما بالك بنا وقد طغت علينا المادة والنفعية والنرجسية وتحكمت فينا الأهواء وتنازعتنا المصالح الأنانية.

إن الشماتة فى الوطن خيانة لله ولرسوله وللوطن، والذين يشمتون فى أوجاع الوطن وهموم أبنائه لن نزيد عن قول شاعر النيل:

اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله