من قلبى
رجال المخابرات يحكمون العالم – 3
«السيسى» و»بوتن» نجحا فى إيقاف مؤامرة التقسيم ... وأحبطا محاولات التوريط فى حروب أهلية فى بلادهما
تحدثنا فى الأسبوعين الماضيين عن اتساع سطوة رجال وأجهزة المخابرات حول العالم ... وذكرنا أن الأحداث الساخنة التى تمر بها منطقتنا منذ ثمانينيات القرن الماضى ... هى من انتاج أجهزة مخابراتية ... ذلك اننا – من حسن وسوء الحظ – نعيش فى المنطقة الكنز ... فكميات المواد الأولية المتوافرة على أراضينا ... وتحتها كافية لتحقيق نهضة القرن الجديد ... وتستحق أن تسخر كل دولة أجهزة مخابراتها لضمان نصيب وافر منها ... أضف إلى ذلك تنفيذ مخطط تؤيده معظم الدول التى ورثت سابقا الامبراطورية العثمانية وهو مخطط انشاء إسرائيل الكبرى ... وإقامة الهيكل على أنقاض الأقصى ... لهذه الأسباب وغيرها دفعت جميع أجهزة المخابرات رجالها للعمل فى المنطقة بشكل مباشر ... أو من خلال مجنديهم ... ووصلنا إلى أن أجهزة المخابرات ورجالها تجاوزوا الدور الطبيعى فى جمع المعلومات ... وتحليلها ... إلى قيادة العمل السياسى والقرارات الدولية ولو من وراء حجاب ... وقلنا أخيرا إن ما يحدث فى منطقتنا هو امتداد لحرب مخابراتية سميت بتحرير أفغانستان من النفوذ السوفيتى أضفت عليها المخابرات الغربية صبغة دينية ... وأقنعتنا بها.... ووصلنا إلى أن حدثين شهدتهما المنطقة العربية غيرا خطة التفكيك ... وعطلا المؤامرة ... الحدثان قادهما اثنان من رجال المخابرات ... الأول هو عبد الفتاح السيسى رجل المخابرات المصرى ـ سابقا ـ ... والذى أصبح رئيسا لمصر ... والثانى هو فلاديمير بوتن رجل المخابرات الروسي – سابقا – ... والذى أصبح رئيسا لروسيا الاتحادية.
عبد الفتاح السيسى أيقن منذ اختياره وزيرا للدفاع أن وجود الإخوان فى حكم مصر جزء من المؤامرة ... وأن الضغوط التى تعرضت لها مصر لتمكين الإخوان من الوصول للمقعد الرئاسى لم تكن حبا فيهم ... ولا ثقة فى قدرتهم على الحكم ... وكثيرا ما حاول أن ينقل هذا اليقين إلى الرئيس محمد مرسى لكنه تجاهل تحذيرات وزير الدفاع ... وسواء كان هذا التجاهل برغبته ... أو بتعليمات مكتب الإرشاد ... فإنه لم يكن ممكنا السكوت أمام الأوضاع التى آلت إليها البلاد ... خاصة بعد أن وصل الأمر إلى الاقتتال حول القصر الجمهورى بين أنصار الرئيس من أعضاء الجماعة من جهة ... ومعارضيه من جهة أخرى ... وما إن خرج الشعب يطالب برحيل التنظيم عن مقاعد الحكم ... حتى اتخذ وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسى قراره بالانحياز لجانب الشعب ... وحماية الأمن القومى للبلاد ... والانحياز للشعب ... وعزل الرئيس ... وجماعته ... وانضمام الجيش إلى الشعب ... ولم يجد الإخوان إلا التهديد بالتصعيد ...والاعتصام ... وهدم المبانى الحكومية وخصوصا الجامعات ... وكما أخطأ الإخوان أثناء توليهم الحكم فى التعامل مع أفراد الشعب من غير أعضاء الجماعة ... أخطأوا فى الاحتجاج على خلعهم من الحكم ... إذ اتجهوا باحتجاجاتهم إلى المرافق التى ينتفع بها الشعب ... شوارع .... حدائق ... أرصفة ... حتى الجامعات أحرقوها ... فبدا للمتابع صحة التحرك ضدهم ... ووصل السيسى إلى سدة الحكم بارادة شعبية ... ونجح فى الهروب بذكاء رجل المخابرات من خطة أمريكا لتوريطه فى حرب أهلية ... واستقبله زعماء العالم وبدأوا النقاش حول محاربة الارهاب وأوقف الغرب خطة برنارد لويس لتقسيم المنطقة مؤقتا ... ومضطراً ... ولم يعدم الرئيس عبد الفتاح السيسى بذكاء رجل المخابرات أن يلعب على أطراف المؤامرة ... فسعى لخلق مصالح لدول غربية مع مصر ... بعقد صفقات سلاح مع فرنسا ... وزار بريطانيا إلا أن رئيس وزرائها لم يستوعب درس تونى بلير فى تبعيته العمياء لأمريكا ... والتقى المستشارة الألمانية ميركل ... وعقد صفقات دعم شبكة الكهرباء المصرية مع سيمنز ... فحقق انجازا على المستوى المحلى ... وخلق من الصفقات التجارية فى البلدين رقما جديدا فى المعادلة يمكن أن يبدل مواقف الحكومات ولو مؤقتا ... والدول الثلاث – فرنسا ، بريطانيا ، ألمانيا – تمتلك اقوى اجهزة مخابرات فى العالم بعد أمريكا وروسيا ... وهى أيضا دول الزعامة السياسية ... والاقتصادية ... والعسكرية فى أوربا .
الحدث الثانى هو التدخل الروسى عسكريا فى سوريا ... وهو القرار الذى اتخذه الرئيس الروسى فلاديمير بوتن ... والحقيقة أن الرئيس الروسى لم يتدخل فى سوريا لمحاربة داعش فقط ... والحقيقة أيضا أن رجل المخابرات الروسية السابق لم يرسل قواته لإنقاذ الأسد من السقوط فقط ... لكن الرجل شعر أن خطة تقسيم المنطقة تسير فى طريقها ... وأن كل الدول تحجز نصيبها من النفوذ فى مناطق الثروة ... وأنه لو كانت خطة التقسيم الأولى (سايكس – بيكو) لأراضى الامبراطورية العثمانية العجوز قد تمت دون دور فاعل للاتحاد السوفيتى ... فلا يجب أن تمر الخطة الجديدة دون حساب نصيب الدب الروسى فى الصفقة ... خاصة أن الاتحاد السوفيتى الذى تم تجاهل نصيبه فى الخطة الأولى كان ضمن المنتصرين فى الحرب العالمية ... يضاف إلى ذلك أن خطة التقسيم الجديدة ستحرم الدب الروسى من القاعدة العسكرية الوحيدة التى يمتلكها فى المنطقة الدافئة علي الأراضي السورية ... مع الوضع فى الحسبان التوسع الكبير الذى تحققه الولايات المتحدة فى الوجود, والنفوذ قى المنطقة ... وأمريكا حليف الأمس ... هى نفسها العدو التاريخى ... لكل هذه الأسباب – وغيرها - دخل بوتن المنطقة عسكريا ليحمى سوريا الأسد من السقوط قبل أن يضمن قطعة من الكعكة ... وهذ التفكير لا يعنى أن بوتن عدو... أو أحد أطراف مؤامرة التقسيم ... لكنه يعنى أن بوتن رجل دولة ... وأنه كرجل مخابرات يعلم أن تقسيم المنطقة لو تم سيؤثر حتما على روسيا الاتحادية ... ونفوذها ... ربما يهدد وجودها أيضا ... عموما فقد تدخل الدب الروسى ليحمى مصالحه ... لكنه بدا حريصا على ألا يتم توريطه فى حرب لم يحسب لها حسابا ... ولم يستعد لها فماذا فعلت مخابرات الغرب إزاء التدخل الروسى؟
سعت المخابرات الأمريكية لتحويل التدخل الروسى فى سوريا إلى نكبة على بوتن شخصيا ... فأوعزت لأردوغان بإسقاط الطائرة الروسية حتى يشعر بوتن بجرح فى كرامة الدولة ... فيسعى للانتقام العسكرى ... ويتورط فى ضرب تركيا إحدى دول الناتو ... ويدخل فى مواجهة عسكرية مع الحلف كاملا ... أو على الأقل يدخل فى مواجهة تركيا وحدها ... وهنا كانت أمريكا ستصور الأمر على أنه حرب بين الشيوعية والإسلام ... وتعيد إلى الأذهان حرب أفغانستان ... روسيا ضد دولة إسلامية ... سنية ... وروسيا هى حليف بشار العلوى ... وإيران الشيعية ... وقد تحدثنا سابقا عن الربط الذهنى الخاطئ بين الشيوعية الاقتصادية والالحاد ... وأمريكا هى حليف المسلمين ... والمدافع عن السنة فى تركيا ... والمساند للإخوان فى مصر... وأردوغان لديه الاستعداد للعب أى دور فى المنطقة ليلحق بلاده بقطار الاتحاد الأوربى ... وستسعى أمريكا لتقليب المسلمين فى روسيا على بوتن الذى يهاجم تركيا ... دولة الخلافة الاسلامية القادمة ... والمسلمون فى روسيا الاتحادية يمثلون حوالى 20% من إجمالى السكان وهى نسبة كافية لإحداث قلاقل داخلية ... وتهديد مستقبل الرجل فى الكرملين ... إلا أن رجل المخابرات الذى يحكم روسيا لم يبتلع الطعم ... واتجه إلى العقوبات الاقتصادية التى يلعب بها الغرب باستمرار ... حتى ضد بلاده ... وقلب السحر على الساحر ... ولن يستطيع سيد البيت الأبيض انقاذ الاقتصاد التركى من إجراءات روسيا ... فحوالى 33 مليار دولار هو حجم التجارة بين أنقرة وموسكو ... وحوالى 3٫5 مليون روسى يزورون تركيا سنويا للسياحة ... و56 % من واردات تركيا من الغاز تأتيها من ورسيا... ومعظمها دون تعاقدات... ويمكن إلغاؤها بسهولة ... والشركات التركية تنفذ اعمالا داخل تركيا قيمتها تصل إلى 50 مليار دولار... من هنا تكون الضربة الاقتصادية أقوي... وأكثر تأثيراً.
Email:[email protected]