بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

انتباه.. أيها الإعلام

ليس من المقبول شكلاً أو موضوعاً أن يتحول الإعلام الرسمي إلي إعلانات مدفوعة الأجر وبرامج في أوقات الذروة والمشاهدة المكثفة، تستضيف أطباء ليعلنوا عن عياداتهم ومراكزهم ومستشفياتهم للمشاهدين نظير أجر أو مبلغ يدفع إلي التليفزيون المصري وهو التليفزيون الذي تنفق عليه الدولة من الموازنة العامة أكثر من 200 مليون جنيه مرتبات شهرية والنتيجة أن يقدم هذا الجهاز الخطير إعلانات علي هيئة برامج ولقاءات في صورة مخزية ومسيئة خاصة أنها أصبحت سمة متكررة في العديد من البرامج ومن ثم من الممكن للتليفزيون أن يتحول إلي إعلانات أو شركة إعلانية للأطباء ويعقد شراكة مع النقابة ولا مانع أن يمتد عمل التليفزيون إلي الخصخصة الحديثة في إطار جلب الأموال عن طريق الوسيط الإعلاني بحيث يكون التليفزيون بديلاً عن الوسيط مثلاً ومن هنا لا تكون هناك حاجة إلي برامج أو أخبار أو دراما أو انتاج تليفزيوني مكلف للدولة بل علي العكس يصير هذا المبني العريق عبارة عن لوحة إعلانات أو صحيفة إعلانية كبري تعلن عن السمن والزيت وصابون الغسيل والأحذية والملابس والعربات ومطاعم الأكل وتوكيلات العربات والعقارات والشقق المفروشة والإيجار الجديد وكل ما يفيد ست البيت وراجل البيت والأطفال والشباب حتي الأدوية والعقاقير لها مكان في إعلانات الأطباء والصيادلة!!!

ماذا حدث حتي نصل بهذا المبني العريق وتلك المؤسسة الإعلامية الأولي في الشرق الأوسط لهذا المستوي من التدهور والترفع والبعد عن البوصلة الإعلامية والأهداف الثقافية التي انشأت من أجلها والتي هي الدور الريادي والعلمي والاجتماعي لمفهوم الإعلام.. في مقارنة للإعلام الروسي أو البريطاني أو الصيني أو حتي الإعلام الأمريكي يجد المتابع والدارس لتلك المدارس الإعلامية علي اختلاف توجهاتها الاقتصادية أو السياسة أو حتي الثقافية يجد المتابع أن الإعلام المعبر عن الدولة الروسية علي سبيل المثال هو إعلام رسمي منضبط في الأداء له رؤية وطنية وله أهداف وله استراتيجية تخدم مصالح الوطن والدولة والإدارة السياسية وتشكل رأياً عاماً داخلياً وخارجياً يتوافق مع الاستراتيجية والخطة السياسية والاقتصادية للدولة الروسية من حيث عرض الأخبار والبرامج والمراسلين والدقة في المعلومة والخبر واللغة التي يقدم بها المحتوي الإعلامي سواء الموجهة إلي البلدان العربية أو الأوروبية أو الإفريقية هناك توازن في المعرفة وفي الثقافة المتاحة لكل منطقة أما الإعلام الصيني والقناة المخصصة لأفريقيا فأنها تقدم الإيجابيات والمشروعات المتعددة التي تقوم بها الصين في دول أفريقية وكيف أن تلك المشروعات تؤثر إيجابياً علي حياة المواطن الإفريقي في المواصلات أو المياه أو الزراعة أو التعليم أو الصحة وفي هذا إعلام مختلف يحفز بقية الدول الإفريقية نحو الشراكة الاقتصادية مع الصين ويفتح مجالات عمل واستثمار لدولة تعاني من الانفجار السكاني ومع هذا من خلال الانتاج والإعلام تخطط لحل مشكلاتها..

علي الجانب الآخر نجد الإعلام البريطاني وقناته الشهيرة الـBBC إعلاماً غير محايد وغير موضوعي فيما يتعلق بالسياسة وإنما يتحرك وفق إرادة الحكومة البريطانية والأمريكية ذلك الحليف الاستراتيجي الأول لبريطانيا ولكن في ذات الوقت يظهر ذلك الإعلام بمظهر الإعلام الباحث والدارس للشرق الأوسط ولقضايا المنطقة العربية من خلال المراسلين والأخبار والبرامج والأفلام التسجيلية عن عادات وتقاليد ومشكلات المنطقة الشرق أوسطية ولا مكان فيه لإعلانات أطباء أو سمن أو عقارات ومنشطات علي غرار إعلانات  التليفزيون المصري!!! ما يقدمه الإعلام الفرنسي في قناة 24 فرنسا هو إعلام أوروبي الهوي أنيق متمكن محايد إلي درجة مقبولة مختلف عن التوجه البريطاني والأمريكي يبحث في القضايا بعلم ودراية ولا يقف عند تقديم الحدث والخبر وإنما يطرح الموقف من وجهات نظر مختلفة وثقافات متباينة ومتعددة لذات الموضوع وفي كل الأحوال لا يتبني وجهة نظر دون غيرها ويتعاطف إنسانياً مع المجرم قبل الضحية وإن كان ذلك المعيار لا يطبق علي ما يخص الشأن الداخلي لبلده فرنسا فحينها القانون والأمن القومي قبل الناتو والاتحاد الأوروبي وحقوق الإنسان وهو ما ظهر جلياً بعد أحداث باريس حين هاجم الإعلام الفرنسي بلجيكا وقانون الهجرة وكذلك قوانين التنقل بين البلدان الأوروبية.. وبينما نحن في أشد الحاجة إلي نقلة إعلامية حقيقية تجمع بين الاستقلالية الفكرية والحيادية والموضوعية في الإعلام الرسمي وبين حرية الرأي والفكر والشفافية والمصداقية وأيضاً التفرقة الواجبة بين مفهوم الدولة والوطن من جانب ومفهوم النظام والحكم من جانب آخر إذ بنا نقع فريسة للإعلام والإعلان التجاري وتحيد عن الطريق العلمي والثقافي المنوط بالإعلام الرسمي المعبر عن الدولة المصرية وعن الهوية والثقافة والفكر والمواطن والمعبر عن آماله ونقائصه.

وبينما الإعلام العالمي يدرك خطورة الرأي العام وخطورة وسائل الإعلام وأهميتها في تشكيل المجتمع والتأثير علي المواطنين وبينما إعلامنا الرسمي ينتحر بطيئاً ولا يتطور فعلياً بل يتبع أسهل الوسائل لجلب الأموال عن طريق الإعلانات داخل البرامج الإخبارية كما في صباح الخير والذي هو تابع لقطاع الأخبار ومن ثم لا يجوز مهنياً أنه في فترة البث الصباحي أن يكون هناك فقرة كاملة تستمر أكثر من نصف ساعة لطبيبة أمراض جلدية من جامعة عين شمس وخلفها إعلان عن المركز الخاص بها وأرقام التليفونات ومكالمات ومداخلات مع المشاهدين عن الأمراض الجلدية والوصفات التجميلية وهو أمر يجب أن يتم وقفه ومنعه لأن في هذا إهداراً للوقت وللفكر ولمفهوم الإعلام والأخبار وأيضاً للقيمة الثقافية لهذا المبني والقطاع الأخباري المفترض منه أن يقوم بتقديم الخبر والمعلومة والتحليل والثقافة إلي المشاهد لأن هذا حق الجمهور وحق خزينة الدولة وحق الرأي العام أن يبدع ويبتكر القائمون علي الإعلام في هذا المبني من أجل وطنهم ومجتمعهم بحق وظيفتهم وعملهم.. من يتابع الإعلام الرسمي عليه أن يتوقف كثيراً أمام ما يقدمه الإعلام العالمي وحتي الإعلام العربي ولا أقول الإعلام الخاص لأن المنافسة في جميع الأحوال ليست في صالح الوطن والمواطن علي الإعلام الرسمي أن يعيد حساباته حتي لا يخرج من الصورة إلي الأبد وبهذا يخسر الوطن.. انتبهوا أيها الإعلاميون.