رؤية
الابتسامة بفرمان حكومي!!
فعلاً «هم يبكي وهم يضحك»... في زمن آخر حكومة «مباركية» في زمن الرئيس مبارك صدر كتاب حكومي أو فرمان بمرسوم للموظفين يقول فحواه.. «أن يا موظفي دواوين الحكومة وإداراتها ابتسموا، وإن لم تبتسموا فسنعلمكم الابتسامة كيف تكون؟ ومهما كان الثمن، ومهما ضحت الحكومة بكل أرصدتها في الداخل والخارج وبكل زهيد وثمين في سبيل ابتسامتكم فهي جاهزة ورقبتها سدادة مهما تكلفت برامج تدريبكم على فنون الابتسامة وأنواعها ومدارسها وتاريخها والاطلاع على مرجعياتها في حياة المصريين.. وكل ذلك من أجل عيون المواطن الذي أصابه الملل والاكتئاب من عبوسكم وكره وجوهكم التي تحجرت، وفاض به الكيل من مشاعركم التي تيبست وأصابه اليأس من قلوبكم التي غادرتها الرحمة، ولم يعد له من أمل في الحياة إلا أن يرى ابتسامتكم التي غابت عنكم منذ نشأت الوظائف على أيدي أجدادكم في غابر الزمان.
لقد جاء في صحفنا السيارة في متابعة الخبر السار آنئذ إشارة في صفحاتها الأولى إلى إعلان «د. صفوت النحاس» رئيس جهاز التنظيم والإدارة في دولاب الحكومة المباركية أن برنامج تدريب 24 ألفاً من موظفي الحكومة على الابتسامة في وجه طالب الخدمة سيبدأ قريباً، وأكد أن الابتسامة سيجدها المواطن مع أداء 750 خدمة جماهيرية.. وأشار د. النحاس إلى أن هذه الخدمات الجماهيرية تشمل تراخيص البناء والإسكان والمعاشات ورخصة القيادة، وأن هذا العدد من الموظفين سيتم توزيعهم على الدورات التدريبية بحيث تشمل كل دورة ما بين 200 إلى 300 موظف ويشير الخبران إلى أن هذه الدورات الهدف منها القضاء على البيروقراطية (وأظنهم يقصدون الاستخدام السيئ للبيروقراطية).
لقد ذكرني ذلك القرار الحكومي بما جاء في كتاب «حديث عيسى بن هشام» أن الموظف نراه في عيون الناس وقد باع للحكومة حريته ووهب لها نفسه تفعل فيها كما يحلو لها مقابل أجر لساعات اليوم وأيام الشهر وأشهر السنة.. هو يرى في خدمة الحكومة معزة وجاهاً ومجداً بينما في أحيان أخرى يراها شقاء وتكديراً وعمراً يفنيه بلا مقابل!!!
وأعود إلى حكومتنا المبدعة الذكية، وأسأل هل هي جاءت بحق من أجل ذلك الموظف المصري المسكين الجبار.. المكسور الشامخ، والتابع الديكتاتور الذي يجمع في شخصيته كل تناقضات المجتمع وانعكاسات صراعاته الأزلية في كل مراحل الصعود والهبوط.. حتى تراثنا الفلكلوري تفاعل مع حال الموظف وأثرى مفرداته الحياتية.. بل وصار الموظف نفسه حالة فولكلورية تأتي سيرها في المواويل والأزجال والأشعار ورسوم الكاريكاتير الساخرة بحدة لأحوال دواويننا الحكومية وفي أمثالنا الشعبية وأقوال الناس المأثورة.. فإذا استكان الموظف وخضع للسلطات الأعلى كان ذلك إيماناً بمقولة «العين ما تعلاش على الحاجب»، ثم في مرحلة يكتشف أنه من المهم تفهم سياسة «اتمسكن لما تتمكن»، وإذا لزم الأمر ضرورة اتخاذ القرار انتبه إلى حكمة «ما تفتحش فتحة ما تعرفش تلمها» و«الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح».. أما وقد وقع الظلم وتم تفعيل آليات القهر والتنكيل به فالمواعظ المعزية موجودة «يا بخت من بات مغلوب» و«آخر خدمة الغز علقة» و«ليك يوم يا ظالم»، أما إذا غابت عنه المهارة والشطارة في الأداء فالفهلوة والنفاق هي المخرج وعليه المبادرة برفع شعار «اللي تغلب به العب به» و«إن عبدوا العجل حش وارمي له»..
إن المناخ المحيط بالموظف والتقاليد المصلحية المتوارثة تدعم الأداء النمطي التقليدي و تحيله إلى مجرد شيء لزوم دفاتر الحضور والانصراف واستمارات 50ع.ح .. لقد تفاقمت أمراض الإدارة وعللها ولن يداويها تطبيق آليات الحكومة الإليكترونية فقط.. لقد غاب عن تلك الحكومة وحتى حكومتنا الحالية (وهي تضع قانون الوظيفة الجديد) البُعد الثقافي والبيئي والإنساني عند تغيير الآليات والوسائل.
لقد علق كاتبنا الكبير الراحل أحمد رجب في تعليقه الساخر على ذلك القرار الحكومي «من العسير أن يبتسم الموظف بهمومه المعيشية الأليمة، وأسهل أن تكسر فك كل موظف وتحصل على ابتسامة لا تغيب»..
الطريف في الأمر والمضحك المبكي، أننا وبعد القيام بثورتين من أجل حلم التغيير، نستدعي صاحب تلك الافتكاسة على شاشات الفضائيات ليناقش قانون الوظيفة الجديد، ونسينا أن الجهاز شهد أسوأ مراحل تراجع الإدارة المصرية في عهده بعد اختراع افتكاسات أخرى مثل التعيينات المؤقتة التي تسببت في كوارث مادية وإدارية، والأغرب اختياره الرجل الثاني في حزب مرشح رئاسي سابق قيل إنه صاحب أروع تجربة إدارية!!!