من قلبى
أجهزة المخابرات تحكم العالم
ما يحدث فى منطقتنا العربية اليوم امتداد لحرب تحرير أفغانستان من النفوذ السوفيتى
عندما اخترت فكرة هذا المقال... لم يدر فى ذهنى أننى سأواجه هذا الكم من الكتابات والمؤلفات فى نفس الموضوع... ولم يدر بخلدى أن هذا العنوان قد شغل كثيرا من الكتاب والمفكرين قبل أن يأسرنى... فتناولوه من جوانب عدة... بعضها جال بخاطرى... والبعض الآخر كان جديدا على تفاصيل الفكرة عندى... لكننى وللحقيقة لم أستطع أن أمنع نفسى... لاعن قراءة بعض ما افرزه العنوان من كتابات سابقة... ولا عن كتابة ما أراه فى هذا الموضوع... ولم أجد غضاضة فى أن أدلو بدلو صغير فى هذا اليم الذى يخفيه هذا العنوان الرهيب... خاصة ونحن نعرف جميعا... ونعترف أن كل أجهزة المخابرات فى العالم تعمل فى منطقتنا... وأن الأحداث الجارية على الساحات ـ المصرية والمحيطة بها ـ قد أغرت الاستخبارات فى معظم بلدان العالم بالتواجد ولو على شكل مراقب... أو حتى متابع لتطورات الحروب... والانقسامات... والصراعات... وحتى المباحثات الجارية فى منطقتنا... وسواء كانت هذه المنطقة هى ما يعرف بالشرق الأوسط فقط... أو ما يسمى بالشرق الأدنى والأوسط فإن نتائج ما يعج فيها من أحداث وما يتم زرعه من أفكار فى عقول أجيالها يؤثر على العالم بشكل لا يستطيع أى عاقل إنكاره.
وقد دفعت الأحداث المتسارعة فى سوريا... واليمن... وليبيا... والعراق... والجزائر دولا كثيرة للدفع بأجهزتها الاستخباراتية للتواجد فيها جميعا لا تستثنى منها بلدا... حتى فى مصر مازالت بعض الأجهزة تلعب... سواء من خلال العملاء المباشرين... أو من يتم تجنيده بدعاوى البحث عن مجتمع أرقى... وحياة أفضل... وأجهزة المخابرات لم تعد تنفذ ما يطلبه منها الساسة... لكنها أصبحت تقود السياسة... وترسم السياسات... بل وكثيرا ما تحدد توجهات رأس المال الباحث عن الفرص الاستثمارية... ولم تعد المخابرات مجرد أجهزة لجمع المعلومات... بل تخطت هذا الدور إلى أن تحولت إلى أجهزة توجيه الرأى العام... ومع ظهورما يعرف بحروب الجيل الرابع... تعاظم دور أجهزة المخابرات حتى أصبحت الأجهزة الرئيسية فى حكم العالم... وصاحبة التأثيرالأقوى على القرار السياسى لمعظم من نطلق عليهم قادة العالم.
وليس بعيدا أن تورط الاتحاد السوفيتى سابقا فى الحرب الأفغانية لمدة 10 سنوات (من ديسمبر 1979 حتى فبراير 1989) كان تخطيطاً لأجهزة مخابرات معادية... وليس بعيدا أيضا أن توريط الدول العربية وخاصة النفطية منها فى تمويل المجاهدين ضد الوجود السوفيتى فى أفغانستان الإسلامية كان ضمن خطة المخابرات الأمريكية والغربية... وكانت الخطة تهدف لتحقيق أهداف عدة... منها إضعاف الاتحاد السوفيتى... وإرهاق دول الخليج البترولية ماليا... والوقيعة بين الدول العربية والحليف الاستراتيجى الأول فى هذا الوقت «الاتحاد السوفيتى»... وأخيرا غسل يد الدول الغربية من مصطلح الحرب الدينية وإلصاقه بالمسلمين... بعد أن كانت الحروب الدينية أوروبية... سواء كانت الحروب التى شهدتها أوروبا نفسها أثناء السيطرة الدينية عليها... أو تلك التى خاضتها أوروبا خارج أراضيها وأشهرها الحرب الصليبية... وقد دعم هذا الادعاء الربط الذهنى الذى حرصت عليه الدول الغربية على زرع فكرة الترادف بين الاشتراكية والشيوعية الاقتصادية... وبين الالحاد الدينى... عموما أصبح لهذا المصطلح (الحرب الدينية) مفعول السحر فيما تشهده المنطقة العربية حاليا... وفيما يهدد أوروبا والغرب... باعتبار ما يحدث لدينا، امتداداً طبيعياً لحرب تحرير أفغانستان من النفوذ السوفيتى وهو أمر سنعود إليه لاحقاً.
ومنذ تفكك الاتحاد السوفيتى السابق سلميا بعد تولى يلتسين مقاليد الحكم فى ديسمبر من عام 1991... بعد الثورة على مشروع البيروسترويكا الذى حاول ميخائيل جورباتشوف تطبيقه فى بلاد الدب القطبى... عملت أجهزة المخابرات الغربية على تصوير هذا التفكك على أنه انهيار للدولة السوفيتية... وانتهاء للسياسات الشيوعية... وانتصار للرأسمالية على الاشتراكية... وهزيمة ساحقة للتعددية الحزبية على الشمولية... وسواء كان هذا التصوير صحيحا أو خاطئا... فقد لقى استحسانا قويا من أعداء الشيوعية... والاشتراكية الاقتصادية... ونشطت وسائل الاعلام الغربية فى تغذية هذا الاستحسان دون هوادة.
ومع الدخول الأول فى القرن الواحد والعشرين... بدأ دور أجهزة المخابرات يأخذ بعدا جديدا... هذا البعد فرضته بالضرورة أمور عدة... بعضها ضمن ما تخطط له أجهزة المخابرات العالمية علنا مثل تطبيق نظرية الفوضى الخلاقة فى دول الشرق الأوسط... إما لتفكيكها... وإما لخلق كيانات أكثر ضعفا فى مواجهة القادم... سواء كان هذا القادم هو السيطرة على الثروات... أو إقامة إسرائيل الكبرى... أو ما تخطط له الاستخبارات سرا لإذابة الحدود بين الدول وإعادة رسمها بشكل أقل مساحة... وأضعف قوة.
ونتيجة لأحداث الشرق الأوسط اتسعت رقعة الأمن القومى للدول الكبرى خصوصا... ومعها اتسعت المساحة التى تعمل فيها أجهزة المخابرات... وتخطى دورها المفهوم المعهود بجمع المعلومات عن القضايا المؤثرة فى أو على الأمن القومى للبلاد... إلى التأثير فى الأحداث... وصناعتها... وتوجيه تأثيراتها السلبية والإيجابية بشكل يوزع الأضرار بعيدا عن الدول الكبرى ... كل ذلك جعل نشاطات أجهزة المخابرات تتداخل بشكل كبير مع الأنشطة السياسية... والثقافية... والاجتماعية... بل والخدمية والفنية أيضا... فرأينا كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية تجتمع مع رؤساء أجهزة مخابرات مصر والأردن والسعودية وقطر فى عمان وهولقاء غريب بين الدبلوماسية... والمعلوماتية الأمنية إلا أنه ترجمة للدور الأوسع لأجهزة المخابرات... كما يترجم تجسس أمريكا على تليفونات أنجيلا ميركل توسع نشاط التجسس لدى المخابرات ليشمل حتى الأصدقاء... وقبلها تفجرت فضيحة تجسس المخابرات الأمريكية على اجتماعات تونى بلير رئيس الوزراء البريطانى الأسبق رغم أنه كان الحليف الأعمى للرئيس الأمريكى بوش الابن... ومازالت أنشطة المخابرات فى الشرق الأوسط هى الأوسع فى العالم... وللحديث بقية
ومن مفارقات الزمن والمخابرات أن بوش الأب الرئيس الأمريكى كان رئيسا للمخابرات المركزية الأمريكية أثناء تفكك الاتحاد السوفيتى... وأثناء حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق... ولم يكن من دهاة المخابرات... لا الأمريكية... ولا العالمية حيث انصبت اهتماماته نحو السياسة وممارسة العمل المدنى... وأن بوش الابن لم يكن يوماً من المنتمين للمخابرات الأمريكية لكنه كان شديد الولع... والطاعة أيضا لتعليمات المخابرات الأمريكية حتى أنه اشتهر بأنه يدير البلاد بعقل وأفكار رجال المخابرات... وأن الرئيس بوتين قيصر روسيا الحالى... وواحد من أنجح من حكموا موسكو جاء إلى الحكم من جهاز المخابرات... وأن الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى كان رئيسا للمخابرات الحربية المصرية ... وأن رئيس جهاز المخابرات المصرية الراحل عمر سليمان كان يملك دائما مفاتيح حل الصراع والخلاف كلما نشأ بين السلطة الفلسطينية وحماس.
Email:[email protected]