بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الإرهاب ظاهرة قديمة وأساليب حديثة

عرف العالم ظاهرة الإرهاب في فترات وعهود سياسية وتاريخية متعددة، بمعنى أنه لا يعتبر ظاهرة معاصرة أو شديدة الحداثة، ومن ذلك على سبيل المثال الاغتيالات التي حدثت في العصرين المملوكي والعثماني، كما ظهرت مؤشرات للإرهاب السياسي في روسيا القيصرية وخصوصا منذ ثمانينات القرن التاسع عشر حيث لجأت بعض الحركات السرية إلى استخدام الإرهاب كأسلوب لمقاومة الحكم القيصري، كما عرفت فرنسا عقب عام 1789 فترة أطلق عليها عهد الإرهاب تميزت بتزايد كبير لمؤشرات الإرهاب السياسي، وتزايدت الأنشطة الإرهابية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، واتخذت أشكالاً وأساليب جديدة خلال العقدين الأخيرين، ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى الملاحظات الأساسية التالية:-

أولاً: تزايد منحنى الشدة والعنف والحدة في الأعمال الإرهابية الحديثة والمعاصرة، حيث لم يعد الإرهاب يتمثل في خطف أو اغتيال بعض الشخصيات على سبيل المثال مثل اختطاف (أو اغتيال) شخصية سياسية أو دبلوماسية أو شخصية عامة، بل أصبح الإرهاب يمثل تهديد الدول بأكملها ويصل عدد المتضررين من العمل الإرهابي سواء من القتلى أو المصابين إلى المئات وأحيانًا إلى الآلاف، ويمكن الإشارة إلى أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة وما ترتب عليها من تأثير وتداعيات ليس فقط في الولايات المتحدة، بل على مستوى العالم ككل، كما جاءت الأحداث الإرهابية التي شهدتها فرنسا مؤخراً تعبيراً عن الوجه القبيح للإرهاب وقد سبق ذلك أعمال إرهابية شهدتها لبنان والمملكة العربية السعودية ودول أخرى متعددة سواء داخل المنطقة العربية أو خارجها، ويمكن القول وبدرجة مرتفعة من المصداقية إن الإرهاب قد استفاد من التطورات الحديثة في أساليب الاتصال والمواصلات، وثورة المعلومات والأجهزة الحديثة في تنفيذ عملياته والتي لم تعد تقتصر على دولة بعينها أو منطقة جغرافية بالذات بل أصبح الإرهاب يتجه نحو التمدد والانتشار الجغرافي وبحيث لم تعد هناك دولة بمنأى عن الإرهاب أو يمكن أن تضمن عدم حدوث أعمال إرهابية في أي وقت.

ثانياً: مسببات تقليدية وحديثة للإرهاب، تعتبر ظاهرة الإرهاب من الظواهر المركبة والمعقدة أي تتداخل فيها مجموعة من المسببات، وتتعدد الأساليب الإرهابية وفقاً لهذه المسببات، فالإرهاب له أسباب اجتماعية وثقافية واقتصادية، إضافة إلى الأسباب السياسية، حيث يمكن أن يساعد الفقر والجهل والبطالة والخواء الثقافي والفكري على تهيئة البيئة المناسبة للإرهاب وتجنيد العناصر الشبابية بالذات في الأعمال الإرهابية، بالإضافة إلى عدم الفهم لصحيح الدين مما يساعد على وجود أفكار ومعتقدات دخيلة على الدين وخصوصاً فيما يتعلق بالنظرة إلى الآخر وعدم قبول قيم التعددية والتسامح والاتجاه نحو الانغلاق والتعصب وعدم قبول الآخر، حيث تعتبر كل هذه العوامل من المسببات المهمة للإرهاب، إضافة إلى عوامل مستحدثة للإرهاب تتمثل فيما يمكن تسميته صناعة الإرهاب ودعمه حيث إنه في حالات متكررة لا تستطيع الجماعات الإرهابية المؤثرة (داعش والقاعدة وغيرهما) أن تستمر دون وجود دعم خارجي من بعض الدول أو الأجهزة المخابراتية، حيث يتم دعم التنظيمات الإرهابية عسكرياً ومالياً وأيضاً تزويد هذه التنظيمات بالمعلومات الاستخباراتية، بل يمكن طرح فكرة أن الأمر ربما لا يقتصر على دعم التنظيمات الإرهابية فقط، بل ربما يتعلق أيضاً بصناعة هذه التنظيمات الإرهابية أصلاً لتحقيق أهداف سياسية لبعض القوى والأطراف الدولية مثل تقسيم وتفتيت الدول وتفكيك جيوشها واستنزاف ثرواتها، وربما يؤكد ذلك ما يحدث في العراق وسوريا وليبيا ومحاولات توسيع مظلة الإرهاب لتشمل دولاً أخرى تحت مسميات مختلفة وذلك لإعطاء مبرر لهذه القوى أن تتدخل في شئون الدول التي تتعرض للإرهاب وتحت دعاوي ومسميات مختلفة ومتعددة.

ثالثاً: الجماعية في مكافحة الإرهاب، ويقصد بذلك أنه طالما أن الإرهاب لا يقتصر على دولة بالذات أو منطقة بعينها بل يهدد الجميع، بل أحياناً ينقلب السحر على الساحر على نحو ما حدث في الولايات المتحدة أو الأعمال الإرهابية التي تشهدها دول مختلفة في العالم فإن المواجهة الناجحة للإرهاب يفترض أن تكون جماعية أيضاً، ويقصد بذلك أن تتضافر جهود جميع الدول في مكافحة الإرهاب، وأن تكون هذه المواجهة غير انتقائية بمعنى أن تكون المواجهة لجميع أشكال الإرهاب وفي جميع أماكن تواجده ولجميع التنظيمات الإرهابية، كذلك يتطلب الأمر أن تكون المواجهة شاملة، بمعنى ألا تكون المواجهة أمنية فقط رغم أهمية هذه المواجهة، بل يتطلب الأمر أيضاً أن تكون المواجهة اقتصادية واجتماعية وثقافية، أيضاً سواء على مستوى كل دولة على حدة أو على مستوى المجتمع الدولي ككل وأن تكون هناك خطط تنموية على مستوى العالم ككل يتبناها المجتمع الدولي وتهدف إلى رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وخصوصاً في الدول الأكثر فقراً والأقل استقراراً، ودعم الدول التي تخوض الحرب ضد الإرهاب بمختلف أشكال الدعم وخصوصا ما يتعلق بتبادل المعلومات الاستخباراتية بين هذه الدول وإيقاف مختلف أشكال الدعم للتنظيمات الإرهابية والابتعاد عن المعايير المزدوجة في مواجهة الإرهاب من جانب دول العالم المختلفة.

رابعاً: تأثير الإرهاب على الديمقراطية، ويقصد بذلك أن الإرهاب أصبح يؤثر على مختلف دول العالم بما في ذلك الدول الديمقراطية الغربية والتي أصبحت تواجه أخطار الإرهاب بشكل مزدوج، بمعنى إمكانية حدوث أعمال إرهابية كبيرة فيها من جانب، إضافة إلى إمكانية تجنيد أعداد من مواطني هذه الدول في التنظيمات الإرهابية ويمكن أن تستخدمهم الجماعات والتنظيمات الإرهابية لإحداث أعمال إرهابية في تلك الدول، وهو ما يمكن أن يمثل خطورة على قيم الديمقراطية ذاتها والتي تعتمد على الحرية والمساواة حيث تلجأ الدول الديمقراطية التي تتعرض للإرهاب إلى إجراءات تتعلق بإعلان الطوارئ وتقييد الحريات، وتقييد السفر إليها من الدول الخارجية وغير ذلك من الإجراءات التي تؤثر سلباً على الديمقراطية على نحو ما حدث في فرنسا مؤخراً، ويمكن القول في النهاية إن المواجهة الناجحة للإرهاب يجب أن تكون  جماعية وشاملة.