الطائرة الروسية.. دنشواي جديدة
حمام دنشواي والذي راح ضحيته ضابط إنجليزي مات من ضربة شمس بعد أن أطلق أعيرة نارية علي امرأة فلاح من أبناء دنشواي بطريق الخطأ أو الصواب ظاناً أنها حمامة تطير في السماء وقامت الإمبراطورية البريطانية ولم تقعد حتي أقالت اللورد كرومر الحاكم الإنجليزي لمصر في عام 1906 وقررت بريطانيا العظمي أن تقيم محاكمة قاسية لأهالي قرية دنشواي ووقف مدعي النيابة إبراهيم الهلباوي باشا مدافعاً عن الإنجليز مهاجماً المصريين الأبرياء ووصفهم بالسفلة وأدنياء النفوس الذين قابلوا عطف الاحتلال الإنجليزي وأخلاقهم الكريمة بالعصي والنبابيت والقتل.. وكان حكم المحكمة لإرضاء المستعمر المحتل البريطاني هو إعدام 4 من الفلاحين الأبرياء من أهالي دنشواي ومصر المحروسة.. هل يعيد التاريخ نفسه في حادث الطائرة الروسية والتي سقطت في 31/10/2015 علي أرض سيناء الحبيبة وراح ضحيتها 224 شخصا وبعد أسبوع كامل من الحادث ذهب رئيس مصر عبدالفتاح السيسي إلي زيارة الدولة الاستثمارية الكبري بريطانيا ليفاجأ بقرار اتخذه رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون بتعليق ومنع جميع رحلات الطيران إلي شرم الشيخ وفوق سيناء باعتبار أنه قد رصد وأجهزته الاستخباراتية محادثة تليفونية جوية فضائية تفيد بأن الطائرة قد وضعت بها قنبلة من قبل إرهابيي داعش المقيمين في ولاية سيناء الإسلامية؟!!
مع أن السيد كاميرون ليس لديه رعايا علي متن الطائرة الروسية ومع أن السيد كاميرون في يونية 2015 قد قتل له 30 من الرعايا السائحين البريطانيين وجرح 26 أي مجموع 56 قتيلاً وجريحاً بريطانياً في حادثة سوسة بتونس إثر هجوم من أبو يحيي القيرواني الذي أطلق نيران كلاشينكوف علي السائحين بفندق أمبريال مرحباً بتونس وقضي علي 38 قتيلاً و39 جريحاً من السائحين الأجانب.. ومع كل هذا تم منح تونس جائزة نوبل للسلام لأنها دولة الأمن والحوار والتسامح والقدرة علي تحقيق الديمقراطية فهذا الرباعي التونسي هو الذي أرسي الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية بعد ثورة الياسمين في 2011....!!!
بريطانيا والعالم يعيدان للأذهان ما حدث في دنشواي ويقرر العالم بقيادة مستر أوباما وكاميرون أن يحاكما الشعب المصري بكل غطرسة وكبرياء وبأن يتهما مصر بأنها غير آمنة وأنها لا تستطيع السيطرة علي سمائها وأرضها وأن مطارات مصر كما يدعون تفتقر إلي مقومات الأمن والسلامة بل وإن هناك تسيباً وفساداً يؤديان إلي الإرهاب الذي هو نتيجة الحكم الديكتاتوري المصري والذي بسببه تم سجن الإخوان المسالمين! والنشطاء الأبرياء والذي يصدر أحكام طوارئ وقوانين ضد حقوق الإنسان.. هذه بريطانيا الصغري حليفة أمريكا الكبري في الاستعمار والفساد والدمار تحاكم الشعب المصري بأكمله وتستعدي ملايين المصريين الذين وإن انتقدوا ما يجري أو بعض سلبيات المجتمع والحكومة إلا أنهم عند الملمات وفي الشدائد.. والمحن قادرون دوماً علي التكاتف والترابط والتوحد ضد المحتلين وضد كل من يحاول أن ينال من حرية وكرامة واستقلال أراضيهم.
الإذاعة والتليفزيون البريطاني الشهير BBC المعبر عن الهوية وعن الحكومة وعن السيد كاميرون ذاته وعن الصهيونية العالمية المتحكمة في رأس المال والإدارة وجميع البرامج والحوارات تلك المحطة الإعلامية المغرضة تفتقر إلي المهنية والحيادية وتستضيف «محمد سلطان» المقيم في أمريكا وابن صلاح سلطان أحد أبرز قيادات الجماعة الإرهابية ليعلق علي حديث السيد الرئيس علي مذيعة القناة الهجومية متعالية غير المهنية أو الحيادية أو الموضوعية.. يعلق أحد أبناء من قتلوا وحرقوا وروعوا وهددوا ويتموا المصريين وحاربونا في لقمة العيش والأمن والاستقرار وفرقوا بدلاً من أن يجمعوا.. يعلق هذا الصغير الموتور الحاقد علي بلده ووطنه وأهله ويصف الرئيس الذي اختاره الملايين وفوضوه لمحاربة الإرهابيين ولتخليص البلاد من حكم الجهلاء والمدعين والخونة يصفه بالديكتاتور.. ويفرح المذيع البريطاني ويؤكد علي ذلك وتستمر القناة البريطانية التي يدعي المثقفون والإعلاميون والنشطاء أنها قناة محايدة وعظيمة وأنها نموذج الإعلام الواعي الموضوعي الذي يقدم الرأي والرأي الآخر والذي بسببه قد تم إلغاء وزارة الإعلام وتقليص دور ماسبيرو مدعين أنهم بهذا يطهرون الإعلام ويفصلونه عن الدولة والنظام ليكون إعلام رجال الأعمال والمال وأجندات اقتصادية رأسمالية لا تخدم إلا مصالحها وأعمالها بلامهنية أو موضوعية أو تعبير عن الهوية والوطن..
ان حادثة الطائرة الروسية التي سقطت تستدعي من المصريين والمسئولين والأمن والإعلام والمثقفين إعادة قراءة للمشهد السياسي والاقتصادي وأيضاً المشهد الدولي والإعلامي وكيفية تدارك الأخطاء التي وقعنا جميعاً بها حين قررنا أن نفعل كل ما يرضي الغرب وأن نصلح الوطن وأعيننا علي حقوق الإنسان وعلي المجتمع الدولي وعلي الدول الاستعمارية بدلاً من أن نبدأ بأن تكون أعيننا علي الوطن والمواطن وعلي الهوية وعلي الثقافة وعلي الإعلام المرتبط بكل هذا.. وحسناً فعل الرئيس حين كان أول تحرك له بعد عودته سالماً بحمد الله من تلك الزيارة المشئومة أن يركب قطاراً إلي الإسكندرية ليتفقد ويتابع ويتخذ القرار بنفسه لأنه راع وقائد ورئيس لنا جميعاً.. إن تلك الزيارة المفاجئة للعاصمة الثانية الإسكندرية هي بداية مرحلة جديدة من حكم وإدارة ورئاسة السيسي لمصر حيث قرر أن تكون عينه علي بلده وأهله ومشاكلهم الصغيرة قبل الكبيرة ولكن التركة ثقيلة والمصريين عليهم دور أكبر في العمل والتوحد والإنجاز ومحاربة الفساد والترهل الإداري.. لم تعد مصر مستعمرة بريطانية ولا أمريكية ولن يكون دايفيد كاميرون كرومر أو الهلباوي ولن يقدر أحد علي محاكمة ظالمة للمصريين لأننا أحرار أقوياء نملك إرادة وعزيمة علي الوقوف أمام كل التحديات.. مصر مقبرة الغزاة.. عصية علي الاستعمار..