بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

والإعــلام لم يكن حــملا وديـعا

 

 

وحرف العطف فى العنوان أعلاه، يعود إلى ردود الفعل الغاضبة والمنفعلة –ولا أقول المنفلتة – على غضب الرئيس السيسى من فوضى بعض وسائل الإعلام، وترويجها للسخط والاحباط،ولمعلومات خاطئة،  تشيع اليأس واللامبالاة، وسعيها لإحداث شقاق باختلاق معارك لا لزوم لها، وغيبة الموضوعية والتوازن فى معالجتها  لمشاكل المجتمع الموروثة والمتراكمة منذ عقود، وجنوحها للاثارة التى تكفل جلب الاعلانات ولفت انتباه المشاهدين.لم يكن الرئيس السيسى يتوعد الإعلاميين بالملاحقة كما ذكر الزميل «إبراهيم عيسى »، ولا هو يريد أن يجثم فوق رؤوس الصحفيين ليراقب ما يكتبون كما رسم الفنان عمرو سليم فى إحدي لوحاته الكاريكاتورية. ما قاله الرئيس كان واضحا : مصر ليست فى ظروف طبيعية.. بلاش نختلف.. اوعوا تخلوا الناس تفقد الأمل.. خلوا الوعى والإعلام يعملوا حاجة جميلة لبلدنا. أليس هذا رجاء كى يتحلى الإعلام الفضائى بالمسئولية الاجتماعية،بعد أن بات يشكل اتجاهات المواطنين والرأى العام تجاه ما يعرضه من قضايا؟!

إن كل إنكار لغياب  المعايير المهنية  لعدد لايستهان به من برامج الإعلام الفضائى، هو مؤشر مؤسف على عدم الرغبة فى السعى إلى تحديد مشتركات لضبط الأداء الإعلامى، وتحريره من قاموس لغة الشارع  الهابطة،  ومن الخرافات  والدجل والشعوذة  وحكايات الجن والعفاريت والمقابر  التى تتخفى وراء أقنعة دينية، وتنقيته من المفاهيم الخاطئة التى سادت بعض برامجه،وفى القلب منها اعتبار اهانة المسئول والتهكم منه وعليه  شجاعة،و سب الضيوف واحراجهم  ومحاكمتهم جدعنة، وإذاعة  أخبار غير مؤكدة بل ملفقة،سبقا إعلاميا، والمبالغة فى تفسير الحدث واضفاء ابعاد كارثية عليه، علما ببواطن الأمور واحتكارا للحقيقة المطلقة وتعاطفا مع الجمهور، مع أن الحقيقة الواضحة وراء هذا القصف الإعلامى، والمعالجة الاثارية غير المسئولة لهذه النوعية من البرامج التى تراهن على مخاطبة عقول مجهدة وغير مدربة وغير  منتبهة بشكل كاف، هى جنى الأرباح للقناة ومقدمى البرامج،الذين تتحدد أجورهم بمدى ما تنجح برامجهم فى جلب الإعلانات،حتى لو أضر ذلك  بمهام نشر الوعى والمعرفة والثقافة  وأطاح بها وهى التى تعد أحد أهم الأدوار الرئيسية لتلك الوسائل الإعلامية.

لم يكن الإعلام إذن حملا وديعا، كى يخرج الناقدون  لخطاب الرئيس السيسى كلماته من سياقها ليعدوها  وعيدا وتهديدا وفرضا للوصاية وانتقاصا من حرية الإعلام،كانت التجاوزات والتدنى فى لغة الحوار والمزايدة والتربص والتحريض عنوانا لأداء هذا الإعلام فى معظم برامجه خاصة اثناء الحملات الانتخابية،ومعالجة الظروف المناخية المتغيرة والمفاجئة والتى أدت لارتفاع زائد فى موجات السيول والأمطار المنهمرة على مدن وقرى المحافظات، مع ان ضوابط وشروط العمل بالمنطقة الحرة الإعلامية، تشترط عدم المساس بالمصالح القومية للبلاد، وتلزم القنوات الفضائية بالتعليمات التى تصدرها الحكومة  فى أوقات الأزمات والحروب وغيرها. ومن يسوغون  لأنفسهم الاستمرار فى ممارسة تلك التجاوزات بغياب القوانين الملزمة بمنعها،فإن ميثاق الشرف الصحفى الذى أصدره المجلس الأعلى للصحافة فى مارس عام 1998 يلزم الصحفيين بمبادئه وقواعده  ويسقط مبررات هؤلاء،لاسيما أن غالبية معدى تلك البرامج ومقدميها هم من الصحفيين وأعضاء  فى نقابة الصحفيين. ويدعو ميثاق الشرف الصحفى إلى الالتزام بمقتضيات الشرف والصدق والأمانة بما يحفظ للمجتمع مثله وقيمه، ولا ينتهك حقا من حقوق المواطنين أو يمس إحدى حرياته، وعدم الانحياز للدعوات العنصرية التى تنطوى على امتهان الأديان أو الطعن فى إيمان الآخرين. كما يطالب بالالتزام بتحرى الدقة ، وعدم نشر الوقائع مشوهة أو مبتورة وعدم اتهام المواطنين بغير سند، أو التشهير بهم لتحقيق مكاسب شخصية،وعدم تناول ما تتولاه سلطات التحقيق أو المحاكمة فى الدعاوى الجنائية أو المدنية، بطريقة تستهدف التأثير على سير التحقيق أو المحاكمة، وعدم نشر صور وأسماء المتهمين، أو المحكوم عليهم فى جرائم الأحداث وغيرها من القواعد التى تحيل إلى الدستور وقانون العقوبات قضايا القذف والسب والطعن فى الأعراض، وتتولى الهيئة التأديبية الابتدائية بنقابة الصحفيين مهمة توقيع العقوبة  المتدرجة على من تثبت مخالفته لتلك القواعد المهنية،بالإنذار ثم الغرامة،ثم المنع من مزاولة المهنة لمدة لا تتجاوز العام وأخيرا شطب الاسم من جدول النقابة. لكن النقابة  لأسباب انتخابية فى المقام الأول، لا تمارس هذا الحق بشكل يضبط هذا الأداء الإعلامى ويرشده.

نحن مقبلون على مجلس نيابى جديد، يفترض أن يناقش مشاريع القوانين الخاصة بالمواد الدستورية التى تنص على تشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذى سيمسى مسئولا عن ضمان حرية الصحافة والإعلام، والحفاظ على حيادها واستقلالها وتعدديتها وتنوعها،ومراقبة سلامة مصادر تمويل المؤسسات الصحفية والإعلامية، ومنع الممارسات الاحتكارية، ووضع الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الصحافة ووسائل الإعلام بأصول المهنة وأخلاقياتها، ومقتضيات الأمن القومى، فإذا لم يلعب الإعلام الفضائى دورا ملموسا فى تهدئة الأجواء التى باتت معادية  لحرية الإعلام، ليس فحسب وسط تشكيلة مجلس النواب الجديد،بل ايضا بين فئات واسعة من الجمهور والمواطنين والمشاهدين الذين أخذوا ينصرفون عن هذه البرامج لمشاهدة المسلسلات التركية والهندية والكورية، ومتابعة برامج  الترفيه والطبخ والكرة ومسابقات الغناء والموسيقى، يصبح من المرجح أن يؤدى استمرار هذه الفوضى الإعلامية الخارجة عن أية سيطرة، والرافضة للالتزام بالمعايير المهنية  المتبعة فى انحاء بلاد العالم، إلى انتكاسة هائلة  فى الحريات الإعلامية،تمر هذه المرة عبر ارادة شعبية منتخبة، فاحذروا اللعب بتلك النيران!