ماذا تريد الدولة من الإعلام؟
أثارت مقدمة برنامج «صبايا الخير» بعد نشرها صور خاصة لفتاة والمعروفة إعلامياً بـ «فتاة المول» حالة من الاستياء العام لانتهاك خصوصية الغير، ثم جاءت انتقادات «أبوحفيظة» للتلفزيون المصري والتهكم عليه والسخرية منه لتجعل «ماسبيرو» الذي يمثل إعلام الدولة الرسمي تنتابه حالة من الغليان والاستياء، ثم جاءت العاصفة في خطاب السيد الرئيس.
هذه المواقف تكشف بوضوح طبيعة الإعلام ومكوناته وأدواته وأزماته أيضاً والعلاقات المتشابكة بين الإعلام والدولة، بين الحق في التعبير وحرية النقد وبين انتهاك ميثاق الشرف الإعلامي والحياة الخاصة للغير، وطبيعة الإعلام الخاص وهدفه وبين إعلام الدولة الرسمي ومنهجيته.
في البداية نتساءل ماذا تريد الدولة من الإعلام؟.. هل يجوز لهذا الإعلام أن ينتقد الدولة في إطار القانون وتقديم الأسباب والمبررات التي تدعم هذا الرأي والمنطق المختلف، أم لا يجوز الاختلاف أو النقد من الأساس؟
لا يوجد أحد ضد وضع ميثاق شرف إعلامي يحتوي الجميع ويضع القواعد المنظمة للإعلام بشكل عام، وحتي يحدث هذا يجب علي الدولة أن يتسع صدرها لكل نقد ولا يضيق مع كل رأي مخالف، لأن هذا الضيق يعطي شعوراً بالقلق والريبة عن فلسفة الدولة تجاه الإعلام بشكل عام.
وبعيداً عن الكلمات الفضفاضة والمعاني الرنانة التي يستخدمها الجميع المؤيد والمعارض للوصول لتبرير ما يقول، لا بد أن نعي ونعرف جيداً أن السماء الآن أصبحت مفتوحة للجميع وأن السيطرة الكاملة عليها أصبحت مستحيلة، فالجميع المؤيد والمعارض والذي يدعي الحياد والموضوعية والحيادي فعلاً وأيضاً الذين ينفذون أجندات بعينها» يقولون إن مصلحة الوطن هي الأساس وأمن مصر هي الهدف والمبتغي، وأن هذا الشعار هو الدافع الحقيقي لكل ما يقولون ويفعلون ويكتبون، والدولة لها إعلامها الرسمي المكتوب والمسموع والمرئي.
أما التلفزيون المصري فلا يجب مقارنته بالقنوات الخاصة سواء في المنهجية أو الأسلوب أو الأموال، أو الهدف، فالقنوات الخاصة قائمة علي منهج رأس المال، الربح والخسارة، ومرتبطة بمصالح وأهداف والغرض من بثها، فتجد بعضاً من هذه القنوات يعرض برامج لا تتماشي مع المجتمع المصري أو أخلاقياته أو طبيعته لتحقق نسب مشاهدة عالية، فالهدف الأساسي لها هو جذب المشاهد بأي طريقة كانت لاصطياد المعلنين، أما التلفزيون المصري فعنده ضوابط ومنهجية مختلفة وإن كان يحتاج لكثير من التطوير في الأداء وأساليب عرض مختلفة ليجذب المشاهد مع الحفاظ بهدفه كإعلام رسمي كل كلمة محسوبة عليه.
وهناك عدد من الإعلاميين في بعض القنوات الخاصة وكأنهم يمثلون إعلام الدولة غير الرسمي، وفي ظني أن هؤلاء أساءوا لها أكثر مما نفعوها فيظهرون علي الناس كعالمين ببواطن الأمور، ويتحدثون بكل جرأه وكأنهم «حامي الحمي» والمدافع الأول والأخير لهذه البلد ولا أحد سواهم.
في النهاية القضايا كلها متشابكة ومتداخلة، ولكن لا يستطيع أحد أن يجعل الإعلام بمفهومه الشامل أو التقليدي سواء إعلاماً مرئياً أو مسموعاً أو مكتوباً أن يسير في فلك واحد، أو أن يدور في مدار واحد، فالاختلاف هو السمة الأساسية للإعلام في كل مكان وزمان -أو هكذا يجب أن يكون- فالتنوع في إطار القانون والالتزام بميثاق الشرف الإعلامي مع وجود الحرية الكاملة في التعبير وإبداء الرأي دون التقيد بكلمات فضفاضة هو ما نتمناه.