أوراق مسافرة
يا متغرب إياك تخلع جذورك
«هاتوا أجمل ما لديهم من علم وفكر وتقدم وارجعوا»، نداء أوجهه إلى كل أبنائنا، عقولنا المصرية فى الخارج بالدول الغربية والآسيوية بل والعربية والأفريقية، نعم تعلموا لديهم، تعمقوا فى علومهم احصلوا على أعلى الشهادات، فكروا.. ابتكروا.. اخترعوا لأن الإمكانيات التى يضعونها أمام العلم والابتكار رهيبة وتنقصنا فى وطننا، انتقوا أفضل ما لديهم وعودوا به انقلوا هذه الكنوز العملية والعلمية إلى بلدكم الحبيب الذى يحتاج إلى عقولكم المستنيرة، لا إلى غضبكم ورفضكم، وأرجوكم، لا تخلعوا جذوركم، وتأخذكم الدنيا هناك وتبهركم الأضواء والحياة المرفهة، فتضيع منكم أجمل سنين العمر فى الغربة، وتعودوا للوطن فى المشيب، رغبة فى أن تقضوا بقايا العمر بين الأهل انتظاراً للموت بعد أن ترهلت سنينكم ولم تعودوا قادرين على العطاء.
أبناؤنا فى الخارج، لا تحولوا مصر مقبرة باردة تنتظر عودتكم فى توابيت، عودوا إليها بأفكاركم وعطاءكم وأنتم فى عنفوان الشباب والعطاء، عودوا بأموالكم بعلمكم، لتردوا إليها جميل أنها أحتضنت طفولتكم وصباكم وأبواب شبابكم، مصر الحياة، مصر 90 مليوناً أغلبهم لا يزالوا يحلمون بحياة ومستقبل أفضل قد تكونوا أنتم نواة صناعته، مصر الهرم والنيل، مصر الحضارة التى كانت وأشعلت ظلام العالم الغربى بنور علومها، تنتظر الآن رد الجميل، تنتظر منكم أن تكونوا مشاعل لحضارة جديدة ممتدة، تنير الشوارع المظلمة، تبدد عتمة العقول المتحجرة، تعالج الأمراض المستعصية التى تطحن أجساد الغلابة الواقفين فى طوابير الانتظار على أبواب مستشفياتنا الخربة، تنتظر منكم فكر مستنير يحدث الطفرة فى مؤسساتنا وإداراتنا الحكومية المترهلة التى تعيش على أنظمة الخمسينيات وتطحن مواطنيها «كعب داير» على أبواب مكاتبها وداخل طوابيرها، تنتظر منكم أفكاراً متطورة توفر الطاقة فلا تنقطع لنا كهرباء كما الحال فى مهاجركم المتقدمة، تخلق لنا الطاقة من مصادر جديدة، وتطهر مياه الشرب فلا تصاب أكبادنا وكلانا بالأمراض، تنظم طرقنا.. شوارعنا التى تحولت إلى شبكة عشوائية متداخلة حتى بتنا نقضى فى زحامها معظم ساعات نهارنا.. بل عمرنا.
مصر تنتظر منكم أفكاركم وأموالكم لإزالة العشوائيات التى تهدد مجتمعاتنا بتحولها لبؤر للجريمة والمخدرات، تنتظر جهودكم لتصل إلى قرانا البعيدة لإعادة أهلها إلى الحياة، وإنقاذهم مما هم فيه من فقر وجهل وتخلف، تنتظر أفكارهم لتطوير نظم التعليم المتقهقر، حتى يصبح التعليم فى بلدنا كالتعليم لديهم، يبنى العقل لا يدمره، ينمى الإبداع لا يقتله، يطلق العنان للفكر والابتكار والاختراع لا يخنقه فى أدراج بالية بمراكز البحوث، مصر تنتظر مدخراتكم لإحياء المصانع المتوقفة وإنقاذ الشركات الوطنية الخاسرة، فلا يتشرد عشرات الآلاف ولا تغلق بيوت العمال البسطاء أيقونة هذا الوطن، تنتظر استثماراتكم لتنفيذ المشروعات الجديدة التى يحلم بتنفيذها كل المصريين منذ تم إطلاقها فى مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادى ومؤتمر مرسى مطروح الأخير، فبدون أموالكم أيها المصريون بالخارج، سيتأخر تنفيذ أحلام البسطاء، وسنظل ندور فى فلك القروض الدولية مجحفة الشروط والمعونات، سنظل نتسول من هنا وهناك الفتات، وأنتم أبناء مصر أولى بإنقاذها.
أرجوكم، لا تبخلوا على وطنكم الغالى بشىء، فأنتم قرابة 10 ملايين خارج الحدود، منكم ما يزيد علي 30% فى أوروبا وأمريكا الشمالية، تلك البلدان التى تشع حضارة وتقدم ورفاهية، فاحملوا إلى وطنكم أجمل ما لديهم، واتركوا أسوأ ما بمدنهم، لا نحتاج إلى ثقافتهم الشائهة لتغرب أولادنا فتتدلى بنطلونات شبابنا وتطول شعورهم، وتتعرى صدور بناتنا ويضيع دينهم، نحتاج إلى علمهم، إلى طريقة تفكيرهم، إلى منهجهم فى بناء أوطانهم، كيف تجاوزوا سنوات الحروب والخراب والدمار وآثار الثورات السلبية، وتمكنوا من التطور والبناء على هذا النحو الأفضل والأكثر ثراء ورفاهية وتقدم، كيف استغلوا كل ثرواتهم أو حتى ثروات الغير ليقيموا الصناعات الثقيلة، ويطوروا العلوم والتكنولوجيا، ويتحكموا فى عقول الشعوب بتقنيتهم فى عالم الاتصالات، وفى مصائر الشعوب بتقنيتهم العسكرية.
أرجوكم لا تتوقفوا عند مشاعر الغضب مما يحدث فى مصر، ولا مشاعر الرفض لكل ما بها من سلبيات، اسعوا إلى التغيير، إلى التطوير، إلى مد يد العون كل فى مجاله لانتشال وطنكم مما هو فيه، مصر تستحق أن تكون الأفضل، أن تكون فى مصاف دول العالم المتقدم، فقط مدوا يد الحب والعطاء والولاء، ولا تقصروا حبكم لها على زيارة سنوية للتمتع بصيفها أو شتاءها، وهنا أطالب وزارة الهجرة أن تعمل بفعالية جادة لاستعادة ربط المصريين بالخارج بالوطن، وأن تذيب الجليد فى علاقة المصريين بالسفارات، أن تعمل على تكوين «لوبي» مصري في دول الانتشار، خاصة الدول الغربية لكي يكون صوت مصر يعمل بقوة على التأثير على السياسات الغربية تجاه مصر، أن تنشى مكتب أو بنك للأفكار، للبحث عن العلماء والمثقفين من أبناءنا العاملين في مراكز الأبحاث والجامعات وغيرها في الخارج ودعوتهم للمساهمة في الارتقاء البحثي والعلمي والتعليمي والثقافي في مصر، فما أحوجنا لخبرة هذه الطيور المهاجرة، وأن تعمل الوزارة بجدية لتحقيق رؤية متكاملة للاستفادة من المصريين في الخارج، وألا نترك خيرهم لبلدان المهاجر نتيجة عدم الالتفات إلى مشاكلهم أو الاهتمام بحل هذه المشاكل إلى سواء التى يواجهونها فى مهاجرهم أو حال عودتهم أو زيارتهم لمصر، إنهم ثروة هائلة، يجب ألا نواصل فى تضييعها بغبائنا السياسى.