بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

شىء فى صدرى

الثورات الحقيقية تزيح عصراً لتؤسس لعصر جديد دون أن تفقد ذاكرتها وتصاب بزهايمر تاريخي وسياسى.. مصر مسكينة، الكل تاجر بها في العقود الأخيرة.. أهل السياسة باعوها في أسواق النفاق والنصب رافعين شعارات الخصخصة والسوق الحر.. باعوا كل شيء ثابت ومتحرك وقبضوا الثمن، وتضخمت ثروات أجيال من العصابات ولم يدخل خزينة الدولة إلا الفتات، وما دخل تبخر سريعا وضاعت ثروة مصر من مصانع وشركات انتقلت ليد مستثمرين بعضهم أجانب يبيعون لنا ترابنا ومياهنا داخل سلعة هي الأسمنت وبعضهم مصريون احتكروا كل شيء.. احتكروا حتى الحق في أن يظلوا اللصوص المنفردين بالسلب والنهب.

وبحلول يناير 2011 ومع تبخر آمال المصريين في أي مستوى لحياة كريمة واغتصاب كرامتهم وحريتهم بفرض برلمان من النصابين واللصوص و«خصيان» الأنظمة انفجر الإناء بما فيه وخرج الملايين ليقولوا لا للقهر والظلم والاستبداد.. ذهب عصر مبارك دون حساب سياسي واكتفت دولة ما بعد 25 يناير 2011 بذر الرماد في العيون بإجراء محاكمات جنائية تتناول اتهامات لمبارك وكبار مسئولي عصره يسخر منها نشال في اتوبيس العتبة ـ بولاق.

التوريث وتزوير انتخابات 2010 ومن قبلهما بيعت ثروات مصر، كلها أسباب أتت بعواصف يناير 2011، وحتى الآن لم يتحرك شيء للأمام، والناس تشعر بالتوهان.

كانت هناك لحظات مضيئة أهمها لحظة التخلص من الحكم الإخواني المتخلف، ولكن من الغريب أن هناك شعوراً عاماً الآن بأن ثمن إزاحة الإخوان الذي دفعناه كان هذا الصمت الذي اضطررنا إليه.. كان هذا الغموض الذي علينا الصبر عليه.. ولكن الثمن الأسوأ الآن والبديل المأساوي للبرلمان الإخواني أن نتجرع ونبلع برلماناً قادماً قد يكون الأسوأ في تاريخنا المعاصر.. برلماناً مؤشرات مرحلته الأولى تغنينا عن التفاؤل بالمرحلة الثانية.. تفوق في مرحلته الأولي الكذب على الصدق.. والجهل على الثقافة.. والنفاق السياسى على الوطنية غير المرغوب بها.

ولو كنت مكان النظام الحالي لتعمدت أن أغسل يدي من هذا المولود القادم الذي سيظل مشكوكاً في نسبه وأصله، ومن أنفق عليه من الداخل والخارج.. النظام السياسي في موقف لا يحسد عليه إذا ظل  صامتاً حيال مجموعات مصالح من رأسماليين وإعلاميين وتجار ضمائر يمثلون بحكم قوتهم دولة داخل الدولة.. جزر سامة لن ينجو منها أى نظام يفضل الصمت على المواجهة..  ثقة الناس في جدوى التحول بعد 30 يونية 2013 تراجعت كثيراً لأن شيئاً لم يتغير ولأن الكلام عن المشروعات العملاقة لا يمسك رمقاً ولا يملأ معدة صغيرة.. الثقة تراجعت لأن عامة المصريين لديهم ربما شعور بأن الحكومة والنظام يتحدثان لغة لا تعنيهم معانيها ومضامينها.. لغة تتكرر في كل خطاب دون تغير يكون قد حدث على أرض الواقع.. لغة كسولة تخلو من عنفوان الإرادة السياسية الواضحة التي تقول صراحة إن في مصر حيتان فساد سنواجههم بقوة، وفي مصر تعليم منهار لا بد أن ننقذه، وأن هذا هو المشروع العملاق وليس عاصمة إدارية قد لا نكون بحاجة اليها لا اليوم ولا غداً.

إرادة سياسية واضحة وقوية تخاطب المصريين وتنقل لهم حقيقة احترام الدولة لهم وأن أي نظام هو خادم للشعب وليس سيداً عليه.. هو حاكم للشعب وليس حاكماً عليه.. هناك مخاوف أتمني أن تكون هلاوس تقول لي رغم أنفي إن هناك عواصف تتكون في الأفق وتتجمع أتربتها وترتفع حرارتها، وبدلاً من انتظار المفاجأة التي قد لا تحمل معها إلا مزيداً من الجروح والآلام، ياريت تتحرك الدولة رئاسة وحكومة بفكر جديد يصدقه الناس، وبفعل مختلف يسد ثغرات ويضمد جروحاً ويخفف آلاماً.. المستقبل يا سادة لن يأتي مبكراً إلا إذا حملته خيول الحرية والكرامة.. هل المشكلة في المصريين الذين يصرخون طلباً للحرية والعدالة، وحين يقفون أمام صناديق الاقتراع يختارون الأسوأ.. هل المشكلة في إعلام بدلاً من أن يضىء الطريق ويسلط ضوءه على الكفاءات يهتم بالتفاهات ويعلي من قدر من لا قدر لهم.. هل المشكلة في مجتمع لطول زمن الحرمان من الحرية والعدل أصيب بعمي ألوان سياسي وأصبح عاجزاً عن الفرز والاختيار.. هل المشكلة في سلطة غير قادرة على مواجهة الحاضر بتناقضاته وفساده فتهرب للماضي تحتمي به وبتجاربه وأحياناً برجاله؟

هل دائرة الدقى وجولتها ونتائجها ستتحول إلى عقدة أو عاهة سياسية تطارد مجتمعاً ونظاماً وعصراً..  هل سنظل في مصر عقوداً قادمة لا نملك إلا التسول بالسؤال الذي يخرج من صدورنا مثل آهة تضيع ويذهب صداها.. إجابة كل هذه الأسئلة في كلمات بسيطة غزلها الشاعر حافظ إبراهيم بخيوط ألمه حين قال:

ثقلت عليك مئونتي إنى أراها واهية

فافرح فإني ذاهب متوجه في داهية