مكلمخانة
فتشوا عن مفسدة المحليات
خلال عقود تعاقبت علينا منذ اخترعوا لنا «المحليات» ترجمة عملية لمحاولة الدولة التخلص من «المركزية» الشديدة التى ميزت نظم الحكم فى بلادنا، لم تفلح هذه «المحليات» فى تبرئة نفسها وغسل سمعتها الفاسدة، وقد تحولت ـ وكان الهدف منها التخلى عن المركزية ـ بذاتها وكياناتها المختلفة الى هياكل إدارية وتنفيذية شديدة «المركزية» فى منظومات فسادها والانحرافات التى داست على كل القوانين التى تنظم أعمال كيانات المحليات!، خاصة وأن هذه المحليات راحت الدولة تتوسع فى إسناد مختلف الصلاحيات لها وفى كل الشئون الخاصة بتعاملات المواطنين مما لا يستدعى اللجوء إلى الجهات الحكومية المختلفة، من الترخيص بإنشاء كشك خشبى لمواطن فى الشارع، وحتى الهدم والبناء للعقارات، الى إدخال المرافق المختلفة ووصولها إلى الأبنية المختلفة! بحيث استحوذت المحليات بواسطة تشعبها وتغلغلها فى مختلف الشئون لتمنح التراخيص للممارسات التجارية المختلفة، فالهدم له رخصة والبناء له رخصة أخرى!، وحتى الرسوم التى تحصل لأنواع البروز المختلفة للافتات والاستخدامات المختلفة للمحال التجارية، مما جعل دوائر الفساد تتسع فى المحليات لتطال الرشوة وتخدم كافة أنشطة المواطنين بحيث لا تفلت أبسط الأشياء والاحتياجات من قبضة الذين جعلوا فى المحليات تسعيرة «خاصة» لكل شىء!، وقد وصل الأمر فى ذلك الى حد أن مخالفات البناء كانت تحصل عليها «رشاوى» تقدر بالقياس الى عدد الوحدات وأسعار تمليكها، أو تأجير الوحدات السكنية طبقاً لما يحدده ما يسمى بالقانون الجديد للتأجير.
وأصبحت أجهزة صيانة الطرق والتجميل وتوفير النظافة من اختصاصات هذه المحليات!، وهكذا لم تكن مفاجأة أن معدات الشفط والكسح لمياه الأمطار وطفح الصرف الصحى وتسليك البالوعات تعانى كلها هذا العطب الشديد الذى اتضح عند انفجار كارثة غرق الإسكندرية مؤخراً فى مياه الأمطار وانسداد البالوعات!، إذ كان كل ذلك مهملاً إهمالاً جسيماً حيث الأحياء فى المحليات غير معنية بذلك!، رغم اختصاصات واضحة وأموال مخصصة لهذه الشئون!، مما اضطر الذين جاهدوا لإنقاذ الإسكندرية من إغراق المياه لها وشفطها أن يستعينوا بمعدات من خارج المدينة!، ولولا هذا بالإضافة الى جهود القوات المسلحة لما تم انتشال المدينة من المياه التى ارتفعت لمعدلات غير مسبوقة!.
ويعرف الكثيرون كيف تمددت العشوائيات فأصبحت وباء كل المدن!، وفى الإسكندرية بالذات ارتفعت الأبراج لتذهب بكفاءة مواسير الصرف الصحى والمياه!، ولا يهضم أحد من العقلاء كيف ترتفع هذه الأبراج المخالفة فى العواصم ومختلف الأقاليم دون أن يراها وهى تمضى فى ارتفاعاتها أحد من مسئولى المحليات الكبار والصغار على السواء!، ورغم الإدراك العام للفساد الذى يقف وراء كل ذلك وغيره، فإننا لم نسمع محاولة جادة للكشف عن حجم الثروات التى حازها ـ ومازال يضيف عليها المزيد ـ كل المسئولين فى المحليات عن فوضى الهدم والبناء، والعدوان على الأراضى الزراعية وأملاك الدولة!، والدور الذى تلعبه المحليات فى هذه المفسدة العامة!، بل نحن فى انتظار انتفاضة رقابية ناجزة تريح مصر من فساد وراءه هذه المحليات التى لم تستطع على تعاقب العهود تبرئة ساحتها من شبهات تحيط بها من كل صوب وحدب!.