بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

زعماء «الشو السياسى» واللاجئون

 

 

يثبت التاريخ يومياً أنه لا يمكن الاعتماد على ديمقراطية الأوروبيين، وخاصة عندما يتعلق الامر بمستقبل الشرق الأوسط وأناسه، فتلك الدول التى تغنت فيما بينها من أيام باحتواء المهاجرين السوريين بدأت تعلن تذمرها وبكل قوة، لأن الامر أكبر من احتمالها، وبالأخص ألمانيا، التى صار من المألوف ألا تتعدى نسبة الألمان فى شوارعها العامة ومراكز المدن الرئيسية بها نسبة العشرة بالمائة، مقارنة مع إعداد اللاجئين التائهين فى شوارعها.

هذه النسبة، تفضح الحكومة الألمانية التى رحبت بتدفق اللاجئين اليها دون أن يكون لديهم مخطط واضح لكيفية استيعابهم ودمجهم بمشاريع الاندماج الأوروبية، لذلك بدأت الإدارة الألمانية تتعامل بارتجالية مع اللاجئين ولا تفيدها كل النوايا الطيبة المعلنة بإيجاد حل يرضيهم، فهم لم يقصدوا ألمانيا ليقضوا شهورا أو ربما سنوات فى مخيمات تشرف على تأمين الأساسيات فقط لهم من أماكن للإقامة وغذاء وتبقيهم عرضة أن ينهش البرد القارس أجسادهم، فأوضاع اللاجئين فى المخيمات الألمانية لا تختلف كثيراً عن المخيمات التى كانوا يعيشون فيها فى دول الجوار. وأنجيلا ميركل كغيرها من زعماء «الشو السياسى» تنصلت من مسئوليتها عن هذه الأزمة الإنسانية من خلال التحجج بأن اللاجئين الذين قصدوا بلادها من دول البلقان تسببوا فى خلق أزمة ومنعوهم من تلقى الرعاية المناسبة.

هذا التبرير وحسب لاجئين سوريين لا يقيهم من برد ولا يعوض مستقبل أطفالهم الذى ضاع فى الوهم الذى اصطنعته ميركل لهم. وليس هذا بغريب على أوروبا، فالجميع يعلم أن الأوروبيين أنفسهم تراجعوا فيما يخصهم أنفسهم بما سمى اتفاقية شنجن وهى الخطة التى هدفت للتخلص من الحدود المشتركة فى أوروبا، فبعد ثلاثين عامًا، بات من الواضح أنّ الاتفاق كان له العديد من العواقب، ويواجه الآن انتقادات شديدة. فقد انسحبت كل من بريطانيا وأيرلندا من الاتفاق فى بدايته.

وفى السنوات الأخيرة أظهر عدد من استطلاعات الرأى وجود معارضة لمنطقة شنجن فى مجموعة متنوعة من الدول. وأشارت مؤخرا صحيفة لوفيجارو الفرنسية إلى مستوى مماثل من المعارضة. ففى ظل الصراعات فى الشرق الأوسط وأماكن أخرى، تزايد تدفق اللاجئين نحو أوروبا بمعدل أسرع مما كان متوقعًا. وعلى الرغم من المحاولات لإيجاد استراتيجية مشتركة لتأمين الحدود الخارجية لأوروبا، تمكن العديد منهم من العبور إلى أوروبا. وعندما بدأت أزمة المهاجرين الحالية، كان الكثير من الناس يصلون إلى إيطاليا بعد خوض رحلات محفوفة بالمخاطر عبر البحر الأبيض المتوسط عن طريق القوارب.

وفى الآونة الأخيرة، كانت هناك زيادة فى عدد القادمين إلى اليونان بعد العبور من تركيا، ومن ثم السفر عبر البلقان حتى يصلوا إلى صربيا أو أى بلد آخر فى منطقة شنجن. وأينما يصلوا أولاً، يأمل الكثير من هؤلاء المهاجرين واللاجئين أن تحط بهم الرحال فى نهاية المطاف فى أوروبا الغربية فقد يكونون أكثر حظًا وينالون اللجوء السياسى. وهذا الوضع يؤدى إلى عواقب وخيمة، وظهر ذلك واضحاً عند اكتشاف 71 قتيلًا من المهاجرين فى مؤخرة شاحنة فى النمسا.

كما أنّ الدول المحيطة بأوروبا، التى عادة ما تكون بلدانًا فقيرة مثل اليونان أو المجر، غالبًا ما تواجه أسوأ ما فى الأمر، ويبدو أنّ العديد من هذه التحركات تتعارض مع روح اتفاق شنجن، فالمجر وغيرها من الدول قامت بتحركات تشكّك فى فكرة أوروبا بلا حدود. فقد أعلنت حكومة الدنمارك مؤخراً أنها تعتزم إعادة السيطرة على طول حدودها مع ألمانيا، وهو ما فعلته فرنسا لوقف عبور المهاجرين من إيطاليا، زادت النمسا بشكل كبير من عدد عمليات التفتيش على حدودها، مما أدى إلى طوابير من الشاحنات التى تمتد لأميال.

وعامة فإن معظم منتقدى منطقة شنجن ينظرون إلى مشكلة الهجرة كسبب رئيس لاستعادة السيطرة على الحدود، الى جانب مشكلة الأمن والارهاب، والتى برزت مؤخرا عندما تم إحباط هجوم على قطار بين أمستردام وباريس كان يقل عددًا من الركاب. كان المشتبه به فى محاولة الاعتداء، أيوب الخزانى، وهو معروف لدى أجهزة المخابرات الأوروبية ولكنه كان قد اشترى تذكرته نقداً ولم يطلب منه إظهار هويته على متن القطار.

وبعد هجمات باريس التى وقعت، اعترف جيل دى كيرشوف، منسق الاتحاد الأوروبى لمكافحة الإرهاب، أنّه فى معظم الحالات يقوم حرس الحدود ببساطة بفحص جوازات سفر المواطنين التابعين للاتحاد الأوروبى للحكم عليها إن كانت أصلية أم لا بدلاً من وضعها فى جهاز الكمبيوتر لمعرفة ما إذا كان جواز السفر مسجلاً فى أى من قواعد البيانات. الى جانب ان الأسلحة، يمكن نقلها عبر الحدود فى منطقة شنجن بسهولة كبيرة. والعديد من الأسلحة الموجودة فى أوروبا الغربية، بما فيها تلك المستخدمة فى هجمات باريس، تمّ تهريبها من مناطق نزاع سابقة فى أوروبا الشرقية.

ورغم أجتماع المسئولين الأوروبيين يوم 14 سبتمبر لمناقشة أساليب التعامل بشكل أفضل مع طالبى اللجوء وغيرهم من المهاجرين. واقتراحهم نظام الحصص لضمان أن يتم تقاسم المزيد من اللاجئين بالتساوى بين الدول الأوروبية. على أمل أنّ مثل هذه الخطة يمكن أن تساعد فى تخفيف بعض المشاكل إلا أن الواقع يقول أن أوروبا ضجرت بالأعداد المتزايدة من اللاجئين، الذين ضاقت بهم أوروبا بينما كانت تسعهم بلادهم!