بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

يا بناة الغد لا تطفئوا الشمس

كان هذا الرجل قادماً من اليمن يطوف حول الكعبة المشرفة، حاملاً أمه على ظهره وهو يقول: إني لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لمْ أُذعر، أى شبّه نفسه بالبعير المذلل لأمه، فجاء رجل إلى سيدنا عبدالله بن عمر رضي الله عنه وسأله: أترى أنه كافأ أمه؟ فقال ابن عمر: لا.. ولا بزفرة واحدة.. أي إنه لم يؤد من حق أمه ما يعادل «أنة» ألم تطلقها وهى تلد طفلها، أردت أن أذكر تلك الأقصوصة الحقيقية، وأنا أواصل معكم أسباب عقوق أبناء هذا الجيل وانحرافهم السلوكى، وبعدهم عن الدين، وأيضاً الحلول التى يمكن بها علاج هذه الكارثة الخطيرة التى تسير بمجتمعنا الطيب وبمصر الحبيبة إلى طريق ضياع لا إنقاذ بعده، فأبناؤنا بناة الغد، كيف سيبنونه وهم بلا أخلاق، بلا احترام لخبرة الكبار، فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

وأكمل هنا ما يتعرض براعمنا من الأبناء من غزو ثقافى وتشويه فكرى لساعات أمام الشاشات بكل أنواعها، تليفزيون، إنترنت، موبايل مفتوح على العالم القذر، فى ظل انشغال الآباء رغماً عنهم لتدبير أمورهم الحياتية الطاحنة، ومن هنا مطلوب فرض رقابة من الدولة ومنع ومصادرة للقنوات والمواقع الإباحية والساقطة، ومطلوب مشروع تثقيفى تعليمى أخلاقى يتم ترجمته عبر أفلام الكرتون وبرامج الأطفال الموجهة فى ساعات بث تتلاءم مع الأطفال فى قنواتنا الرسمية وفى كافة الفضائيات «إن كانت تتقى الله فى هذا النشء»، لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجيال جديدة ستخرج للدنيا وهى «مهلهلة» نفسياً وخلقياً لا جدوى من وجودها إلا مزيد من تدمير مجتمعنا، الذى كنا قديما نتغنى بأخلاقه وقيمه أمام العالم.

رابع الأسباب يا سادة غياب دور الرقابة الحقيقى على الأعمال والمصنفات الفنية، والتى تركت الحبل على الغارب لتلك الفنون التى تنشر العرى والفسق والفجور، وتقدم حتى صورة بشعة لرجال الدين فى أعمالها الفنية، صورة رجل الدين «النسوانجى» التابع لأولى الأمر والذى يظهر غير ما يبطن، ومن هنا يجب اتخاذ قرار جمهورى وطنى بمصادرة وإعدام كل الأعمال الفنية الهابطة، وتغريم أصحابها، وتقديمهم للمحاكمة بتهمة تدمير الأخلاق المصرية، وأطالب بتشريع قانون يجرم أى شخص يحاول المساس بالقيم والمبادئ والأخلاق من قريب أو بعيد بأى عمل فنى أو أدبى، وليس فى هذا مصادرة للحريات الفكرية وفقاً للمتشدقين، فالحرية أيضاً التزام، وهناك فارق كبير بين الحرية والإباحية.

خامس الأسباب يا سادة غياب دور المؤسسات الدينية وفقدانها دورها الاجتماعى التوعوى، وتركيزها على عذاب الآخرة وويلات القبر، دون النظر إلى احتياجات هذا الجيل، وضرورة مخاطبة شباب معاصر مطحون بالمادة والمدنية، لذا أطالب الأزهر بإعادة صياغة دوره الاجتماعى، ونشر الشيوخ والأئمة من الشباب الأزهرى المتحضر فى أرجاء مصر، لدعوة الأبناء إلى العودة للدين بصورة بالتبشير لا التنفير، بمناقشة احتياجات الشباب، وإرشادهم بالحسنى للحفاظ على دينهم ومحاربة شياطين الأنس الداعين للانحراف والرذيلة والعقوق والبعد عن الدين، وأطالب بعودة مدرس التربية الدينية فى المدارس، فقد تحولت حصة الدين الآن إلى حصة ترفيه، وأصبحت كتب الدين مجرد نصوص للحفظ، لا يوجد منها دروس أخلاقية تحض على طاعة الوالدين والفضيلة.

سادس الأسباب التفكك العائلى الذى بتنا نعانى منه، فباتت كل أسرة منطوية وكأنها فى جزر منعزلة، فلا علاقات مع الأعمام ولا الأخوال ولا باقى فروع العائلة، وهذا يربى أبناءنا على العزلة والأنانية، فلا يعرفون حق صلة الأرحام، وعلاقة الأسرة بالأقارب تسهم فى تهذيب أخلاق الأبناء، لوجود مرجعية عائلية يمكنها التدخل إذا ما عجز الأب والأم عن ذلك، وغياب هذه المرجعية ساعد كثيراً فى انحراف سلوك الأبناء، لذا مطلوب من كل أسرة إعادة جذور الترابط العائلى، وإذابة أى خلافات مشتجرة مع أبناء العائلة الواحدة، من أجل ايجاد تلك الجدران والسدود المنيعة التى تحمى أولادنا من طوفان اللأخلاق، فالتواصل والتزاور مع الأقارب يملأ جانباً مهماً من فراغ الأبناء، بدلاً من انعزالهم وغرقهم داخل شاشات الكمبيوتر والمحمول بغرف الدردشة الإلكترونية.

نعم يجب أن نبادر من الآن لإنقاذ ما تبقى من هذا الجيل، والعمل على وضع الأسس لإنقاذ الأجيال القادمة، أما أبناؤنا، فأوجه لهم هذا النداء، أفيقوا قبل الأوان ولا تطفئوا نور الشمس فى حياتكم بالعقوق لتصير حياتكم ظلاماً، دعاء الوالدين لكم يفتح لكم كل سبل الحياة الطيبة، عودوا إلى آباءكم طائعين وإلى ربكم مستغفرين يقول الله (ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما)، فمن يعق والديه يصاب ببلاءات في الدنيا وفي الآخرة، ففى الدنيا يطفئ الله نوره فى وجهه، ويذله، وينزل به المصائب، ويغلق أمامه الأبواب المفتوحة ويعسر رزقه، وعند موته لا ينطق لسانه الشهادة، ويكون دعاء الوالدين عليه مستجاب، أما فى الآخرة لا ينظر الله له يوم القيامة، ولا يقبل الله عمله، ويؤخر الله دخوله الجنة إلى آخر البشر، وقال الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا ينظر الله لهم يوم القيامة ولا يزكيهم العاق لوالديه, المرأة المترجلة, الديوث)، فسارعوا إلى الاستغفار وإلى إرضاء والديكما، فلا يوجد على وجه الأرض من يحبك مثلهما ولا يخاف على مصلحتك ومستقبلك مثلهما، حتى وإن اختلف أسلوب هذا الخوف مع رؤيتك، فأرفق بهما، وتناقش بالحسنى، وأطعهما ليكرمك الله دنيا وآخرة، فطوبى لمن أحسن إليهما ولم يسىء لهما.. طوبى لمن أضحكهما ولم يبكهما.. طوبى لمن نظر إليهما نظرة رحمة وود وإحسان.. وتذكر ما كان منهما من بر وعطف وحنان.

 

 

[email protected]