ضربة قلم
إلى المهندس «ساويرس»: خليك جنب الحيط
الحيطة مؤنث الحيط وهي كلمة ذات أصل هيروغليفي وتعني البناء أو جزءاً منه. وتحتل الحيطة مكانا بارزاً في الموروث الثقافي والشعبي المصرى وتعبر عن طبيعة ومقومات الشخصية المصرية. وتعبر الأمثال الشعبية عن ثقافة الشعوب وعاداتها والبيئة الاجتماعية والمناخ السياسي. ولفظ الحيط أو الحيطة ارتبط في الوعي الجمعي المصرى بصفات مرذولة وهي الخوف والسلبية والشماتة والنذالة. ومن الأمثله الدارجة «بكره نقعد علي الحيطة ونسمع الزيطة» ويدل علي الشماتة. و«جنب الحيط» ويضرب لإيثار السلامة والابتعاد عن كل مايسبب لصاحبه الضرر والأذى ويدل علي الخوف والجبن.. إلخ، قبل ثورة يناير كانت الحيطة منهجا وأسلوب حياة وملاذاً لمن يخشون المواجهة. وكان المصريون في معظمهم يمشون جنب الحيط لأن عدم الالتزام بقواعد المرور السياسي يكلفهم حريتهم وربما حياتهم والمشي جنب الحيط لم يكن مقصورا علي البسطاء وحدهم بل المثقفين أيضاً وهم اهل القدوة والأسوة والريادة. أجبر نظام مبارك بعضهم واغرى معظمهم بالمشي جنب الحيط وأكل العيش واستطاعوا بمرور الوقت التكيف مع السلطة والحيطة وتريضوا بأقلامهم في مساحات محدودة من الحرية مثلما يتريض المسجون لبعض الوقت خارج زنزانته. وكذلك رجال الأعمال احتموا واستظلوا بالحيطة وظلوا في بيت الطاعة لنظام مبارك ولم يجرؤوا علي التمرد أو النقد أو الانضمام لحزب معارض لأن ذلك معناه فقدان قدرتهم علي الإثراء أو مكانتهم داخل النظام السياسي والاقتصادى والرجال كالأرقام ـ كما قال نابليون بونابرت ـ تختلف اقدارهم باختلاف مواضعهم .. الطاعة كانت شرط الحصول علي عطايا نظام مبارك وارتبطت الطاعة بالفساد والحيطة. ونجيب ساويرس من بين رجال الأعمال الذين آثروا السلامة وأعلن في حوار مع إحدى الصحف قائلاً: «أنا ماشي جنب الحيط ومش عاوز ازعل حد مني ولن أنضم لأى حزب سياسي»، تصريحات ساويرس تعبر عن صاحبها الذى أعلن اللجوء الي الحيطة ثم دبت فيه الشجاعة فجأة ودعا لتكوين حزب سياسي بعد الثورة وبعد أن تأكد من سقوط نظام مبارك، المهندس ساويرس التزم الصمت تجاه الاتهامات التي طالته في صفقه موبينيل ولم يسع لقول كلمته في هذا الموضوع.. ساويرس وقبل ثورة يناير بأسابيع قليلة اشترى إحدى لوحات الوزير السابق فاروق حسني بمبلغ 300 الف جنيه مجاملة للفنان الملهم! اعتاد ساويرس ان يهاجم الوفد بمناسبة أو بدونها ربما يعبر ذلك عن ازمة نفسية وليست سياسية ولو راجع مضابط مجلس الشعب واستجوابات نواب الوفد عن فساد مبارك وحكوماته في عز جبروته لأدرك ان رجال الوفد لم يمشوا يوما جنب الحيط.. الوفد هجم التوريث وأول حزب يعلن انسحابه من انتخابات 2010، وكان الإخوان ينتظرون موقف الوفد من تلك المهزلة ولم تواتهم الشجاعة لاتخاذ قرار الانسحاب إلا بعد قرار الوفد.. الوفد أول حزب يعلن موقفه ـ قبل سقوط مبارك ـ من ثورة يناير ويطالب مبارك بالرحيل.
كان الوفد واحدا من بين ثلاثين حزبا إسلامياً وليبرالياً وناصرياً تحالفت عام 2011 من اجل الانتخابات، ومن اجل اعداد قائمة توافقية لعبور المرحلة الانتقالية وعندما استشعر استقواء واستعلاء الإخوان ورغبتهم في طمس هوية أعضاء التحالف اتخذ قراره الجرىء والحاسم بالانسحاب حفاظاً علي ثوابته التاريخية. ومن يرجع الي الصحف الصادرة في اعقاب قرار الوفد سوف يتعجب من الهجوم عليه من الاعلام والأحزاب وأثبتت الأيام صواب القرار الوفدى. تاريخ الوفد ومواقفه لا تنتظر صك الاعتراف بها من المهندس ساويرس.. المال لايصنع تاريخا ولايشترى شعبا بحجم الشعب المصرى .. خليك جنب الحيط.