العمالة المصرية وكرامة المصريين في الخارج
أثارت حادثة الاعتداء على العامل المصري في أحد المطاعم الأردنية مؤخرا أصداء وردود فعل لدى المواطنين المصريين وكذلك لدى الأجهزة الرسمية ذات الصلة بالموضوع وخصوصا وزارة الخارجية ،ويتطلب الأمر في اعتقادي ضرورة الحفاظ على التوازن المنشود بين حماية العمالة المصرية في الخارج وتحقيق مصالحها والحفاظ على كرامتها من جانب ،وبين الحفاظ على العلاقات الوثيقة مع الدول التي قد تحدث فيها هذه التجاوزات الفردية،وبحيث لا يحدث تأثير سلبي على العلاقة بين مصر وهذه الدول التي قد تكون دولة شقيقة وذات علاقات طيبة بمصر،ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى الملاحظات الأساسية التالية :
أولا: أهمية العمالة المصرية في الخارج: فالثروة الحقيقية لمصر هي ثروتها البشرية، ولذلك تكون هناك أهمية كبرى للعمالة المصرية في الخارج وخصوصا إذا كانت هذه العمالة على درجة من المهارة والكفاءة والتدريب، حيث يعمل المصريون في الخارج في مهن مختلفة ومتعددة سواء كانت عمالة بسيطة وحرفيين أو كانت مهن ذات مستوى رفيع من التخصص والخبرة مثل الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات والمدرسين والمحاسبين وغيرها من المهن والتي تعتبر من عناصر القوة الناعمة لمصر في منطقتها ،ورغم تعددية التقديرات والإحصاءات لهذه العمالة المصرية والتي تتراوح وفقا لهذه التقديرات بين سبعة ملايين (في حدها الأدنى) وتسعة ملايين (في حدها الأقصى) إلا أنها تظل لها أهميتها الكبيرة في دعم الاقتصاد المصري من خلال تحويلات المصريين في الخارج والتي تعتبر من المصادر المهمة للعملات الصعبة، ونظرا لما تمثله العمالة المصرية في الخارج من أهمية فقد تم استحداث وزارة للمصريين في الخارج في التشكيل الوزاري الجديد مما يعكس أهمية هذا الملف سواء من النواحي الاقتصادية أو السياسية لمصر.
ثانيا: حماية المصريين في الخارج :يتطلب الأمر توفير كافة أشكال الدعم والحماية للمصرية في الخارج سواء كان هذا الدعم قانونيا أو انسانيا وحمايتهم من مختلف أشكال التعسف الذي قد يتعرضون له مثل إهدار حقوقهم المالية وإساءة معاملاتهم أو عدم الالتزام بحقوقهم التعاقدية (الأجازات –المستحقات المالية – مكافآت نهاية الخدمة) أو غير ذلك من المجالات التي تنطوي على إهدار حقوقهم، ويتحقق ذلك من خلال المؤسسات والأجهزة المصرية المعنية سواء في الداخل أو الخارج، ويمكن الإشارة إلى أدوار هامة للمؤسسات والأجهزة المصرية الآتية :-
أ- البعثات التمثيلية المصرية في الخارج كالسفارات والقنصليات ومكاتب التمثيل العمالي والتي يقع عليها الدور الأكبر في حماية حقوق العمالة المصرية في الخارج والدفاع عن هذه الحقوق وربما تبدأ هذه العملية من المنبع أي في بداية تعاقد العامل المصري من خلال مراجعة عقود العمل والتأكد من كفالة حقوق العمالة من حيث الراتب والأجازات والرعاية الصحية ومكافأة نهاية الخدمة وغير ذلك من البنود التي تضمن مصلحة العامل المصري في الخارج وخصوصا إذا كانت هذه العمالة تعمل في القطاع الخاص والتأكد من مدى التزام المؤسسات والمنشآت الخاصة لحقوق العاملين لديها ،وهو ما يمكن التوصل إليه من خلال التعاقدات السابقة.
ب: دور وزارة الخارجية المصرية،ووزارة الهجرة و المصريين في الخارج ووزارة القوى العاملة المصرية في متابعة ما يحدث من تجاوزات ضد العمالة المصرية ،والعمل على مواجهة هذه التجاوزات بالتعاون مع المؤسسات والأجهزة الرسمية في الدولة أو الدول المعنية التي تحدث فيها مثل هذه التجاوزات ،وبحيث يكون لهذا التعاون من خلال الأجهزة الرسمية دورها الهام في إنهاء هذه التجاوزات وحصول العامل المصري على حقوقه .
ج- الدعم القانوني والإنساني ،ففي عديد من الحالات يحتاج العامل المصري في الخارج إلى دعم قانوني للحصول على حقوقه ومستحقاته وهو ما قد لا يستطيع القيام به بمفرده وخصوصا في إطار العمالة البسيطة ولذلك يكون من المهم دعمه قانونيا من خلال السفارة أو القنصلية المصرية، وحتى إذا كان متهما في قضية معينة فقد يتطلب الأمر مؤازرة قانونية لضمان حسن سير الإجراءات القانونية، كذلك ربما يكون من المرغوب فيه الدعم الإنساني في حالات معينة مثل الوفاة أو الإصابات الخطيرة أو الحوادث وغير ذلك من الحالات التي تتطلب الدعم الإنساني.
ثالثا: دور العمالة المصرية في الخارج لحماية أنفسهم، فإذا كانت هناك أدوار مفترضة للدولة المصرية في الداخل والخارج لحماية العمالة المصرية والحفاظ على كرامتها، فإن هناك أيضا أدواراً ومهام مطلوبة أن تؤديها العمالة المصرية في الخارج لحماية أنفسهم وهي:
أ- التسجيل في القنصليات المصرية في الخارج، ويقصد بذلك أن يقوم كل عامل مصري يتواجد في الخارج بتسجيل اسمه وبياناته ومحل اقامته في القنصلية المصرية، مما يسهل عملية تدخل السفارة أو القنصلية المصرية لحمايته عند الضرورة أو تقديم الدعم القانوني له، مع ملاحظة أن إجراءات التسجيل بسيطة وتكون مجانية خلال ستة أشهر من بداية اقامته، وتكون برسوم بسيطة عقب ذلك.
ب- التواصل مع السفارة أو القنصلية المصرية في الخارج، فالبعثات التمثيلية في الخارج هي جزء من أرض الوطن، ويمكن من خلال هذا التواصل التعرف على التطورات المختلفة التي يشهدها الوطن في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، كما يسهل ذلك تدخل السفارة أو القنصلية المصرية لحماية العمالة المصرية في الخارج عند الاقتضاء، وأن يقابل رجال السفارة والقنصلية المصرية مطالب وشكاوى العمالة المصرية بأكبر درجة من الاهتمام والجدية، وقد يكون من المفيد تخصيص موعد معين أسبوعي على مستوى السفارة أو القنصلية المصرية للتواصل مع المصريين في الخارج .
ج- صندوق الدعم القانوني والإنساني، فقد يكون من المفيد أن يتواجد في كل سفارة أو قنصلية مصرية في الخارج صندوق لدعم العمالة المصرية من النواحي القانونية والإنسانية ويحصل هذا الصندوق على إيراداته من المصريين العاملين في الخارج في شكل اشتراكات أو تبرعات أو أي شكل آخر وبحيث يكون هذا التمويل الذاتي تخفيفا من الأعباء المالية على موارد الدولة ويكون المستفيدون منه هم الذين يقدمون هذا الدعم المالي.
إن كرامة كل عامل مصري في الخارج هي من كرامة الوطن ككل، كذلك فإن قوة الوطن واستقراره تنعكس بالضرورة إيجابا على العمالة المصرية في الخارج التي تعمل بشرف لمساعدة الآخرين ومساعدة أنفسهم ومساعدة الوطن.