يا أهلاً بالجامعات
طالت الإجازة الصيفية حتي تجاوزنا عيد الأضحي المبارك، علي خلاف ما نصت عليه لائحة قانون تنظيم الجامعات بأن تبدأ الدراسة في السبت الثالث من سبتمبر وتستمر ثلاثين أسبوعاً.
ومثل قانون الجامعات في تحديد ميعاد فقد نصت لائحة الجمعية العامة للأمم المتحدة علي أن تبدأ الدورة السنوية العادية للجمعية في الثلاثاء الثالث من شهر سبتمبر وهو ما حدث في جميع الأعوام السابقة منذ 1945 حتي هذا العام الذي ذهب فيه الرئيس عبدالفتاح السيسي إلي نيويورك والتقي هناك بالرؤساء والقادة الذين توافدوا علي ذلك البرلمان العالمي، الذي تحضره أكثر من مائة وتسعين دولة، وهذه فرصة عظيمة تم تحديدها بدقة لتجنب أيام الجمعة والسبت والأحد حيث يوم صلاة المسلمين في أول تلك الأيام تليه صلاة اليهود ثم صلاة المسيحيين ويخلص الجميع يوم الاثنين للاستعداد للسفر الي نيويورك واللقاء العالمي يوم الثلاثاء الذي لم تخلفه الجمعية العامة.
وأنا مولع بضبط الميعاد ولعلها عادة ترتبت من كثرة تلاوة المصحف الشريف.. و«كان وعد ربي حقاً» (الكهف:98)، «قال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب» (هود 65).
وتأكدت العادة وترسخت بالتربية العسكرية سنة ونصف السنة مجندا «عسكري مؤهلات» خلال حرب أكتوبر 1956 حاملا السلاح قائما ونائما وصاحيا بالميعاد الدقيق، الذي لا يعرف تسامحا وإنما العقاب طابور ذنب سريع.
وصحبتني العادة وقويت وتعاظمت بالمعايشة في أوروبا. ففي أول يوم لي في فرنسا كانت الثلوج تتساقط بغزارة ونهضت من النوم متكاسلا ثم نظرت من النافذة لأجد امرأتين كبيرتين في السن تقودان دراجة سائرة فوق الثلوج المتساقطة بهمة ونشاط فخجلت من نفسي وزجرتها وقررت ارتداء ملابسي ونزلت الي طريقي لألحق المحاضرة قبل الميعاد.
وتكرر ذلك حتي عندما كنا نسافر من فرنسا إلي ألمانيا القريبة جدا من مدينة ستراسبورج علي نهر الراين العظيم الذي نعبره علي الكوبري مشيا علي الأقدام أو السيارة عندما توفرت وأصبح العبور من ستراسبورج الفرنسية لمدينة كيل الألمانية مسألة دقائق حيث نحسب الوقت بالدقيقة وليس بالساعة لأن المطلوب أن تعود لمطعم الجامعة في ستراسبورج قبل أن يغلق أبوابه، ولابد من أن ندخل من الباب الرئيسي حيث ندفع تذكرة بحوالي 20 فرنكا ونأخذ صينية تشمل أطباق الخضار واللحم والفاكهة والمشروب، فإذا انتهي موعد فتح الباب الرئيسي للمطعم فلن يبقي إلا باب الخروج وهو مخصص لدخول من لا يملكون التذكرة، حيث يوفر لهم المطعم نصف وجبة غذاء مكونة من كمية كبيرة من الأرز والبطاطس دون لحوم أو فواكه أو مشروب، وذلك في لفتة إنسانية جميلة من المجتمع الفرنسي للفقراء حيث لا يتركهم جوعي يتسولون الغذاء في الشوارع خاصة الشباب.
ذلك كان مجتمع الكفاية الغذائية لجميع أطياف المجتمع، وقد طبقتها بنفسي في نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة المنصورة عندما انتخبوني رئيسا لمجلس الإدارة، إذ كنت أقدم وجبة غذائية في السبعينيات لأعضاء هيئة التدريس مكونة من الخضار واللحم والمشروب بمائة وخمسة وعشرين قرشا، فجاءني بعض العمال وطلبوا أن أقدم لهم مواد غذائية بالأرز والخضار دون اللحم.
وفي كل السنوات الماضية كانت الجامعة لا تخلف موعدها أبدا.. فهي تفتح أبوابها يوم السبت الثالث من سبتمبر فما الذي جعلها هذا العام تبدأ في الثامن والعشرين من سبتمبر بحجة حلول عيد الأضحي.. وماذا كان سيحدث لو احترمت الجامعات موعدها القانوني ثم أخذت إجازة العيد بعدها بخمسة أيام لتربية أولادنا علي احترام المواعيد وتصبح عندهم عادة كما تعلمناها وتعودناها واحترمناها.
سيقولون إنها مجرد خمسة أيام فلا داعي لكتابة كل هذا الكلام. ويرد رجل القانون فيداخلي يقول: القانون قانون يجب احترامه.. وطالما قد تحدد الموعد بالقانون فلابد من الالتزام به وتعويد الناس علي ذلك، ولا نعلم كيف يهربون الي الاستثناءات كالتي وردت بالفقرة الثانية بالمادة 62 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات.
ومع ذلك لا نفوّت الفرصة لنقول لأعضاء هيئة التدريس والطلاب والموظفين والعمال كل سنة وأنتم طيبون.. وسنة مبروكة إن شاء الله بدون مظاهرات وتخريب لمنشآت الجامعات.