بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

يا الله ما لهذا الجيل المضروب!

«الجيل كله انضرب».. قالتها صاحبتى فى أسى وكأنها تعزى نفسها وتهون من مصيبتها، وهى تسرد لى مأساة حياتها اليومية مع ابنها الذى لا يزال فى سنة ثانية جامعة، حاولت أن تبتلع دمع عينيها وهى تروى كيف يشوح الولد فى وجهها ووجه أبيه، وكيف يكور قبضته و«يقرقض» على أسنانه وهو يحادثهما فى تطاول  ويعارضهما فى صفاقة ويجادلهما فى كل شئون حياته كأنه يهم بلكم أحدهما فى وجهه، كيف غير دراسته الجامعية الخاصة إلى أخرى، وأهدر عاماً من عمره ومعها آلاف الجنيهات، رغم أنه هو الذى اختار نوع دراسته الجامعية الأولى بنفسه، وكيف يختاران له أو يقومان بتوجيهه، وهو فى كل كبيرة وصغيرة «يتفه» من آرائهما، ويحقر من تجاربهما وخبراتهما، ويتهمهما بالانتماء إلى جيل عفي عليه الزمن كأفلام أبيض وأسود، جيل لا يفهم عقلية الشباب المتطورة التى تعتمد على تقنية العالم المفتوح للتواصل عبر الإنترنت، عقلية شباب خرج فى ثورة يناير ونجح فى إزاحة نظام فاسد بالإصرار والهتافات وفقاً له.

قالت إنه يسهر خارج المنزل كيفما شاء، يطلب دوماً المزيد من مصروف الجيب، دون الوضع فى الاعتبار أوضاع أبويه المالية وحجم الأعباء الملقاة على عاتقيهما، يرافق أصدقاء تحيطهم الشبهات من كل نوع، ضبطه أبوه يتصفح مواقع إباحية على النت، كما ضبطه يدخل السينما مع فتاة «مفعوصة» وهو يحتضن خصرها بذراعه وكأنها زوجته فى شهر العسل، صوته الجهورى الخشن الذى يحمل بقايا المراهقة يضج فى البيت بالطلبات والاعتراضات، لا يفعل أى شىء لأسرته، ولا يقضى لهم طلباً، إنه يعيش لنفسه فقط.. للخروج والفسح والنزوات، إنه فى النهاية ابن عاق وقليل أدب، بل عديم «الرباية».

هنا انحدر دمعها غزيراً على وجهها، ولم أحاول إيقاف هذا الدمع، تمنيت أن تبكى كثيراً، لتزيل عن صدرها هذا الهم والحزن الكبير والمتمثل فى صدمتها فى حلمها الأكبر، فلم يكن هذا رجاءها، لقد ربت قدر ما استطاعت، ربته على الدين والأخلاق وأداء الصلاة «تلك التى تركها عن عمد»، وتعبت أيما تعب، وأنفقت عليه هى وأبوه كل ما يملكان حتى يكبر و«عينيه مليانة» فلا ينظر لشىء فى يد أحد من زملائه، ألحقاه بأحسن الكليات الخاصة بعد أن حصل على مجموع «خايب فى الثانوية العامة» رغم تلال الدروس الخصوصية فى كل المواد بالآلاف، فعلا المستحيل ليكون شاباً محترماً صالحاً باراً بوالديه، ولكن الثمرة جاءت عكس الغرس والزرع، وكأنها حرثت فى البحر، «إحنا غلطنا فى حاجة، عملنا وحش عشان ربنا يعاقبنا ويطلع بالصورة دى» سألتنى من بين دموعها، وهى تتمنى ألا ألومها فى أى خطأ تكون قد ارتكبته فى التربية لترى هذا الحصاد المر؟

ملعون أى ثورة تتمسحون بها فى ادعاءات التحرر من تجارب وخبرات وتوجيهات الكبار، ملعون النت وأى تقنية فى العالم يمكن أن تحولكم إلى هذا المسخ الدميم من شباب الغرب، بل ألعن، على الأقل هم يستخدمون الحرية «صح» هم يعتمدون على أنفسهم فى سن مبكرة، يرفعون العبء عن والديهم بالعمل بجانب الدراسة، ويجتهدون فى الدراسة أيما اجتهاد، ونادراً ما يتخلف أحدهم فى الدراسة أو يرسب عاماً، أو يحول من دراسة لأخرى، لأنه تربى منذ صغره على الاختيار الدقيق والسليم، على الاستفادة بخبرات الأجيال السابقة، لا العودة لاكتشاف الآلة البخارية من جديد، فملعون ده حصاد، لا لم ترتكبى خطأ أيتها الأم المعذبة، لقد فعلتِ كل شىء أمرك به الله لتربى ابناً صالحاً، ولكن الخطأ خطأ هذا العالم المفتوح، خطأ الغزو الثقافى الغربى الذى ضرب كل أجيالنا الحديثة فى مقتل، فلم نستعد أبداً لا آباء ولا مؤسسات ولا دولة لمواجهة هذا الغزو بأى مشروع ثقافى مصرى إسلامى لحماية ووقاية أبنائنا من الانجراف وراء نداءات الغرب المتحررة، التى انتقينا أسوأ وأبشع ما فيها دون غيرها.

الخطأ خطأ مؤسسات التربية والتعليم، التى لم يعد بها لا تربية ولا تعليم، الخطأ خطأ المجتمع، والأسر الفاسدة التى تترك الحبل على الغارب لأبنائها، ليكونوا نواة فساد لآخرين من شباب الأسر المحترمة بإغوائهم واستقطابهم لإفسادهم، حتى يكون «الكل فى واحد» الكل فاسد بلا استثناء أو تمييز، الخطأ خطأ صناعة السينما والفنون الأخرى فى مصر، التى لم تحارب أو تواجه الغزو الثقافي الغربى، بل أمعنت هى الأخرى فى التسطيح والإسفاف والتهميش، وإثارة كل الغرائز والشهوات، فلم نعد نرى سوى أفلام البلطجة والعرى والخمور والإدمان وقصص ساقطات شارع الهرم، ولم نر فيلماً واحداً عن عظيم من عظماء مصر أو علمائها أو أبطالها أو مثقفيها، الخطأ خطأ الإعلام بكل وسائلة خاصة التليفزيون الذى يصدح ليل نهار ببرامج التوك شو، ولم نر برنامجاً واحداً موجهاً للشباب، ليقدم لهم نماذج صالحة وإيجابية من المجتمع، أو قصصاً للتفوق والنجاح لتحريك الطموح وخلق الأمل وتحفيز الرغبة فى بناء مستقبل محترم، الخطأ خطأ الدولة التى تركت الحبل على الغارب للفضائيات الساقطة، والمواقع الإباحية، وأهملت قصور الثقافة لتتحول إلى خرابات،  كما أهملت تنشيط مجالات الرياضة ومراكز الشباب لاستقطاب الشبيبة وتنمية روح الفريق والعطاء، ففى الرياضة تهذيب وأخلاق، فالخطأ خطأ رجالات الدين الذين كرسوا كل جهدهم للخطاب الدينى ضد الإرهاب، ولم يهتموا أبداً بالخطاب الاجتماعى الموجه للشباب، حتى بات جل شيوخنا مصدر تنفير لا جذب وتحبيب للشباب، بكل العته والترهات فى الفتوى والتركيز على الترهيب من العذاب والنار، حتى تفشى الإلحاد بين شبابنا كانتشار النيران فى الهشيم، الخطأ خطأ أولادنا الذين أعتقدوا أنهم كبروا قبل الأوان، وأعتقد أن الآباء مجرد آذن تسمع طلباتهم وبنك يقدم لهم الأموال.. وللحديث بقية.

[email protected]