مكلمخانة
المدرسة أولاً لتنتهى مهزلة الدروس الخصوصية
تهمل الأضرار التى تبدأ صغيرة لتتفاقم ويشيع خطرها بحيث تصبح مستقرة ليصبح التعايش معها والقبول بها من أقدارنا المصرية!، حتى إذا انتفضنا لإزالتها ومحو آثارها كان الثمن فادحاً والعواقب وخيمة تنذر بشرور أشد وأنكى!، والتأريخ لمثل هذه الأقدار المصرية يكشف عن التدقيق كيف تبدأ الأضرار بسيطة لتتحول بسرعة إلى مركبة معقدة!، وفى مساواة غريبة نقبل الإهمال البسيط مع الجسيم لا فرق!، وقد فوجئت بقراءة ما كتبه زميلنا خالد إدريس فى «الوفد» الصادر أمس أن وزارة الداخلية قد انتفضت مع وزارة التعليم لإعلان الحرب على الدروس الخصوصية!، وذلك بمداهمة المراكز غير المرخصة والقبض على المدرسين أثناء حصص الدروس الخصوصية فى هذه المراكز!، التى تفتح أبوابها لطلاب الثانوية العامة أثناء الفترة الدراسية الصباحية فى المدارس، وقد ذكر الموضوع المنشور أن أجهزة الأمن قد قبضت على عدد من المدرسين ومسئولى المراكز وحررت ضدهم محاضر وأغلقت قوات الأمن عدداً من المراكز التى تعمل بدون ترخيص، وقد أثارت الحملة حالة من الذعر بين الطلاب بعد أن شاهدوا الشرطة تصطحب المدرسين من الحصص، كما أصيب عدد من المدرسين بالذعر وألغوا الحصص الصباحية، وأسرعوا بمغادرة مراكز الدروس فور علمهم بمداهمات الشرطة، وتأتى الحملة للقضاء على ظاهرة المراكز التى انتشرت بدون ترخيص فى كل المحافظات، وفتحت أبوابها منذ الصباح الباكر خلال اليوم الدراسى فى تحد صارخ لوزارة التربية والتعليم وكذلك لتنفيذ قرار وزير التعليم الخاص بمنح 10درجات للحضور والسلوك طوال العام الدراسى، وإجبار طلاب الثانوية العامة على الحضور.
وما كنت أحسب أن الدروس الخصوصية سوف نتمكن من منعها أو حتى مقاومتها ونحن سكوت على شيوعها واستفحال شرها، وقد امتلأت الشوارع بإعلانات أشبه بإعلانات السينما والملاهى الرخيصة!، يعلن فيها بعض المدرسين عن بضاعتهم فى مختلف المواد الدراسية التى تغطى كل مراحل الدراسة فى جميع المدارس التابعة للدولة، التى تنفق عليها الدولة مليارات الجنيهات لتصبح هذه المدارس مجرد مورد للتلاميذ تتلقفهم الدروس الخصوصية فى مراكزها المرخصة وغير المرخصة!، وعندما سمحنا بترخيص مراكز الدروس الخصوصية كنا نغرى تجار التعليم بالإقبال على إنشاء مراكز لهذه الدروس بدون أدنى اهتمام بالحصول على تراخيص!، بل أصبحت كافة المراكز ـ مرخصة وغير مرخصة ـ أكثر تنظيماً فى إدارتها من تنظيم أداء المدارس ذاتها!، وما حدث في هذا الصدد يشهد علينا بأننا قد تواطأت إرادتنا على إفساد العملية التعليمية برمتها!، وصار النقاش حول إصلاح التعليم وتدارك أخطاء مسيرته كنوع من اللغو الذى يسود أوساط التلاميذ وأسرهم ممن يكتوون بنيران الدروس الخصوصية، بعد أن هجر التلاميذ، والمدرسون سواء بسواء المدارس لحساب الدروس الخصوصية ومراكزها!،وظنى أن مداهمة المراكز غير المرخصة وتحرير المحاضر سوف يعالج جانباً من العلة!، لكن استئصال شأفة الدروس الخصوصية وانتشار مراكزها يستلزم منا البحث فى إمكانية عودة المدارس الى استكمال لياقتها ليعود إليها دورها الذى عرفناه فى أزمنة سابقة على محنة مدارسنا الحالية!، وأن نأخذ هذا الأمر بصرامة تامة تعود بالمدرسين والتلاميذ الى سابق هيبة العلاقة بينهما كما كانت!، وأن نكون صرحاء مع أنفسنا لنعترف بأن التعليم قد أصبح فى حقيقته تجارة حرام!،والتعامل فيه لا يعدو أن يكون عملية بيع وشراء بين متعاملين قادرين وغير قادرين من جانب!، وفى الجانب الآخر باعة لا يتورعون عن أى شىء يفعلونه فى سبيل قنص مقابل باهظ!.