لازم أتكلم
مدرس مثالي بخمسين جنيهاً
يوماً بعد آخر يثبت بعض المسئولين براعتهم الفائقة في زرع الاحباط في نفوس الشباب ، ويقدمون بالدليل القاطع قدرتهم الرهيبة على إذلال الكفاءات وعدم تقديرالمعلمين ، والتقليل من قيمتهم حتى لو خرج منهم معلم مثالي في عمله مبدع في أدائه ، منضبط في سلوكه، وصاحب خلق كريم.
أقول ذلك بمناسبة المهزلة التى تعرض لها المدرس محمد العسلي ( وأنا لا اعرفه) ) من إهانة خلال تكريمه من السيد محافظ الجيزة ، والاهانة هنا ليتها كلمة أو حركة كده ولا كده لا سمح الله ، ولكنها ذلك الظرف الذي منحه البيه المحافظ للعسلي فوق منصة التكريم ، وكان به 50 جنيها ، إي والله خمسين فقط ، كمكافأة للشاب الذي حصد لقب المعلم المثالي على مستوى محافظة الجيزة والثاني على مستوى الجمهورية .
تخيلوا معى قيمة المكافأة ، تمحصوا مدلولها، ألا تتفقون أنها تعد تحريضا للطلاب على عدم احترام المعلمين؟ وتستدعى تساؤلاً منطقياً ومستحقاً لملايين المعلمين الآخرين ، إذا كانت الدولة تقدر المثالي والمحترم عملا وخلقاً من مربي الأجيال بخمسين جنيها فقط ـ ماذا تنتظرون من بقية المعلمين ؟! وهل لوكان المكرم لاعب كرة أو فنانا مغموراً أو راقصة ، مع احترامي وتقديرى ــ هل كان الظرف سيكون نفس الظرف وبه نفس المبلغ ؟!
الكارثة هنا أن المسألة ليست في القيمة الضئيلة ، ولكن فيما تحمله من سخرية لازعة ، ما زالت تطارد العسلي وغيره ممن تم تكريمهم، ولم يسلموا من نظرات وعبارات التهكم التى يلقونها من الزملاء والأصدقاء، والتلاميذ . وتلك من وجهة نظرى الطامة الكبرى ، فعندما يهبط التقدير المادى للمعلمين إلى هذا المستوى ، يتحول إلى اغتيال معنوى ، يفوق في شدته فعل الرصاص القاتل للطموح .
إن ما حدث مع العسلي أكيد يتكرر وسيتكرر في باقي المحافظات ، لأن المحافظ ربما مرتبط بلوائح وقوانين ، ولكن هذا لا يعفيه من الاستفادة من بنود أخرى كثيرة أمامه ،تمكنه من «هز المكآفاة شوية»، فعنده الصناديق الخاصة أو صندوق الخدمات وغيرها من الأبواب التى لا تُفتح فقط إلا عند البحث عن مكافأة للبيه المحافظ أوالباشا مدير الأمن أو السكرتير العام أو المرضي عنهم والمحظوظين من القيادات والقريبين من السجاد الأحمر في الديوان .
الغريب، أن السيد نقيب المعلمين، لا أقول الوزير، مر عليه الخبر مرور الكرام ، ولم يتحرك أو ينتفض له شريان؛ دفاعا عن هيبة المعلم ومكانته وكرامته ، كما لم يتحرك نقيب معلمى الجيزة، فكان أولى بهما تعديل خطأ المحافظ وتصحيح سقطته بتكريم آخر، وظرف مختلف لتعويض العسلي عما تعرض له من أزمة نفسية و صدمة لا يصدقها حتى الآن .
ليس عيبا أن يلتزم المسئول باللوائح والقوانين ، ولكن العيب كل العيب أن يوظف ذلك فقط أو يقصره على فئات معينة ، في حين يغض الطرف ، ويغمض العينين، ويعطل كل الحواس أحيانا إذا كان الأمر يرتبط بتكريم فئات أخرى غير المعلمين، وليس صعبا على المحافظ أن يرفع سماعة هاتفه على أي شركة خاصة من الشركات التي تعمل داخل محافظته، ويطلب منها تمويلاً أو رعاية المناسبة ، مقابل ما تحصل عليه من امتيازات وتسهيلات من تحت الترابيزة ومن فوقها؛ لإنجاز أعمالها وكسب الملايين .
إن المعلمين وغيرهم من الفئات البسيطة ، لا يستحقون أبدا من دولتهم هذا الفتات يوم تكريمهم ، ويجب ان يعاد النظر سريعا في آلية تكريمهم ، حفاظا على هيبتهم التى هى جزء أساسي من هيبة الدولة .