رؤى
لبيك عن شبرمة
من هو شبرمة هذا؟، الله اعلم، ما عمره، قبيلته، بلده، عمله، حالته الاجتماعية، صلته بمن حج عنه؟، هل كان حيا أو ميتا؟، هل كان مريضا معافى؟، هل دفع تكاليف الحجة أم خرج نائبه عنه متطوعا؟، مع أننا لا نعرف حتى شكل شبرمة وحجم قامته ولون بشرته ولغة لسانه، إلا أن صديقه أو قريبه المجهول فرض اسمه علينا منذ أكثر من 1400 سنة، وأصبح اسمه مثار خلاف بين العلماء والفقهاء، والخلاف على نوعين، الأول: حول صحة الواقعة التى ذكر فيها اسمه، والثانية فقهية: عن العمل بما جاء فى الواقعة.
واقعة شبرمة رحمة الله عليه(لا نعرف حتى مقبرته) وصلتنا عن طريق أحد الصحابة الثقات والمشهود لهم بالعلم والفقه، هو ابن عباس رضى الله عنه، فقد شهد واقعة شبرمة بنفسه، كان يصاحب الرسول عليه الصلاة والسلام فى حجته، فسمع الرسول أحد الأشخاص يقول: لبيك عن شبرمة،
فسأله الرسول: من شبرمة؟
ــ قال: أخ لى أو قريب لى.
ــ فقال له الرسول: حججت عن نفسك؟، (وفى رواية: هل حججت قط؟)
ــ قال الرجل: لا.
ــ فقال له الرسول: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة»، (وفى رواية:« فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة»).
الرسول عليه الصلاة والسلام كما هو واضح لم يسأل عن شبرمة: كان شيخا أم شابا، مريضا أم مسجونا، أنابه أم تطوع عنه دون علمه، قادرا على النفقات أم فقيرا، وأهم ما فى هذه الواقعة أنه أجاز النيابة فى أداء الفريضة، وهو ما سنناقشه فى مقالات تالية.
هذه الواقعة وصلتنا كما سبق وقلت مرة مرفوعة للرسول، وأخرى موقوفة على ابن عباس، لكن اتفاق العلماء حول علم وفقه وثقة ابن عباس، دفع أغلب العلماء إلى الأخذ بالواقعة، حتى من صنفوا الرواية بالموقوفة مثل الإمام الشافعى.
وقد ذكرها مرفوعة للرسول: أبو داود، وابن ماجة، وابن خزيمة، والطبرانى فى: الكبير، والأوسط، والصغير، وأخرجه البيهقى، وابن حبان، والدارقطنى وغيرهم الكثير.
وقد ذكرت موقوفة (على لسان ابن عباس) فقط فى بعض الصادر، أقدمها عند الإمام الشافعى، وذكر الرازى فى مختصر اختلاف العلماء الواقعة عن:« ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن قتادة بن دعامة حدثه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه:« مر به رجل يهل فقال لبيك بحجة عن شبرمة، قال(ابن عباس): وماشبرمة؟، قال رجل أوصى أن يحج عنه، قال(ابن عباس): حججت أنت؟، قال: لا، قال(ابن عباس): فابدأ أنت فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة».
ففسد الحديث لأنه ذكره أولا من قول ابن عباس، وثانيا رواه أيوب، وخالد الخزاعي، عن أبي قلابة عن ابن عباس من كلامه لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
ثالثا: فإن قيل(على سبيل المثال) روى ابن أبي ليلى عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: سمع رجلا يلبي عن شبرمة ... إلى أخر الحديث.. قيل له هذا حديث فاسد، لماذا. لفساد حفظ ابن أبي ليلى، فقد كان شعبة يقول: ما رأيت قط أحدا أضعف حفظا من ابن أبي ليلى.
وقد ذكر ابن القيم فى حاشية عون المعبود: الحديث أخرجه أيضا بن حبان، وصححه، والبيهقي قال: إسناده صحيح، وليس في هذا الباب أصح منه.
وقد أطال الكلام الحافظ في التلخيص ومال إلى صحته وظاهر الحديث أنه لا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره وسواء كان مستطيعا أو غير مستطيع لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل هذا الرجل الذي سمعه يلبي عن شبرمة وهو ينزل منزلة العموم وإلى ذلك ذهب الشافعي، وقال الثوري إنه يجزئ حج من لم يحج عن نفسه ما لم يتضيق عليه، قال المنذري وأخرجه بن ماجه، وقال البيهقي هذا إسناد صحيح ليس في الباب أصح منه.