«فجر الضمير».. وصور بلا تفسير!
قبل أن نقرأ: قبل بضعة أشهر أدلى رئيس الوزراء «المُقَال» إبراهيم محلب بتصريح قال فيه: «انتهينا من الفساد المالى وبقي أمامنا الفساد الإدارى»!! كان «محلب» يتحدث بلغة الواثقين.. وكأننا كنا نعيش فى كوكب آخر وتحكمنا حكومة أخري غير حكومته!! والمشكلة أن أحداً لم يراجعه في تصريحه، حتى غادر الرجل مقعده، ومصر كلها تغلى وتمور،على وقع فضيحة فساد مالى- وإدارى أيضاً- من العيار الثقيل.. بدد الفرص التى كانت متاحة له ولحكومته، كى تترك إرثاً يقدره المصريون المنهكون من الفساد، محكم الحلقات، متعدد الأوجه ومبدد الأحلام والآمال!
لا أعتقد أننا سنكون مع «شريف إسماعيل» أوفر حظاً من «إبراهيم محلب»، على اجتهاده ودأبه، ما لم تتغير الرؤية والعقلية التي تعمل بها الحكومات المصرية على تعاقبها، ففى الحقيقة لم نعرف أبداً الأسباب التى دفعت لاختيار «محلب» دون سواه، رئيسا للحكومة، وحتماً لن يقول لنا أحد لماذا اختير شريف اسماعيل، وهو مجرد وزير للبترول، إلا إن كان أحدنا يتخيل أنه هو الذي اكتشف حقل الغاز الأخير الذي نستبشر به خيراً، بينما تكشف وكالة رويترز أنه وقبل الإعلان عن الكشف الجديد، سعت الشركة إلي تعديل الشروط، وتمت مضاعفة أسعار شراء مصر للغاز من حصة الشريك الأجنبى، فقد كانت 2.6 دولار للمليون وحدة حرارية، والآن تقترب من 6 دولار للمليون للوحدة الحرارية!
الاتفاق الذي وقعه السيد رئيس الحكومة الجديد «وهو وزير للبترول» سيجعلنا نشترى الغاز من حصة الشركة صاحبة الاكتشاف بسعر مضاعف، ولا ندري لماذا نقبل بمثل هذه الاتفاقات، ولماذا لا نخضعها للبحث والدراسة والنقاش على الملأ! يرفض المسئولون إشراكنا فى مثل هذه الأمور، فهم يفترضون أنهم الأقدر والأجدر باتخاذ القرارات لمجرد أنهم في مواقع صنع القرار، مع أن وزير الزراعه الذي اقتيد إلي النيابة العامة مصفداً في الأغلال، كان يتصرف بنفس الطريقة، وكانت وزارة الزراعة تعج بالفساد والصفقات الفاسدة ولكنه لم يكن يعير أحداً أي اهتمام.. ولم يأبه برأي عام في البلد، حتي إنه قبل سويعات من ضبطه عقب إقالته، سئل في حوار تليفزيوني ثلاثاً إن كان قد تم مساءلته من جهات الاختصاص في واقعة الفساد بالوزارة، فأنكر ثلاثاً.. مع أن لسان حال المذيعة السائلة يقول إن معلوماتها تقطع يقينا بأنه يكذب وأنه «سئل»!!
رئيس الوزراء المقال ورئيس الوزراء المكلف عملا معاً في حكومة واحدة، وخبر كل منهما أساليب العمل الحكومي، فما الذي سيجعل أحدهما يفوق الآخر فيحسن بنا صنعاً؟ إنهما يتعاملان مع نفس القيادات ونفس المسئولين وبنفس السياسات والعقليات العقيمة. كنا نظن -مثلا- أن «محلب» سيبدع على الأقل في قطاع التشييد والإسكان الذي جاء منه وقضي فيه عمره المهني، فإذا بالذي يبرع هو «الجيش»، وهو الذي يشيد الطرق الجيدة، أما الطرق « المرقعة» بالزفت والرمل والممتلئة بالحفر فهي من نصيب القطاع المدني الذي يقع في نطاق مسئولية حكومته!
تتناثر الحكايات عن دور «شريف اسماعيل» في وزارة البترول زمن «سامح فهمي»، وحكايات تسعير الغاز المصري المصدر إلى العدو الصهيونى بأبخس الأسعار لا تنتهى، والعلاقات المتشابكة والشائكة مع أساطين وأباطرة وسماسرة بيع الغاز تملأ قصصها كل أرجاء الوطن، ورغم هذا وبدلا من أن نختار شخصية لا تحوم حولها أية شائبة من هنا أوهناك، نختار رجلاً يمتلئ الفضاء الإلكتروني الآن بأرشيف صوره، وقصصه الغريبة العجيبة، عن علاقاته الوثيقة بأحد المتهمين الحاليين في واقعة الفساد الكبري، اللهم إلا أن يكون شريف إسماعيل هو من أبلغ الجهات المختصة عن هذا الفساد والمتورطين فيه والذين التقطوا صوراً معه، ليتباهوا بمعرفتهم بالوزراء والحكام، فيسهلوا أعمالهم و«يسلكوا أمورهم» وبالتالى استحق تكريمه واختياره لمنصبه!
صور «محمد فودة» المتهم في قضايا الفساد، المنشورة له مع شريف اسماعيل، ومع غيره من الوزراء بحاجة إلى تفسير! توقفت ملياً عند هذه الصور، وأصابني الذهول، إذ لا يمكن القول إن الصور تكذب، ولولا أن الكلام سيكون مكرراً ومعاداً لنشرنا الوقائع الموثقة التي نشرها زملاء صحفيون، وقالوا فيها الكثير والكثير. ولكن الدولة ينطبق عليها المثل الشعبى «البعيد أطرش»! فهل هكذا نقدم على مرحلتنا المصيرية الجديدة؟ هل بهكذا توجه نتقدم إلى استحقاقنا البرلمانى الذي ننشده ؟
لدينا كوارث بالجملة، في وزارات عديدة في الدولة.. فوزير الاستثمار يدلي بتصريحات عن ضرورة تخفيض الجنيه على أثرها تتهاوي البورصة، ووزير الزراعة يترك حيتان الأراضي يسيطرون علي ما تبقى من قطع قليلة منها، ويترك الطريق الصحراوي نهبا وفريسة لأحد الأباطرة يبيعون فيه ما يحلو لهم من أراضي الدولة دون رقيب او حسيب، ووزير العدل لا يبرئ ساحته من التهم المنسوبة إليه في واقعة شرائه أراضي بطرق ملتوية، ووزير الثقافة لا طعم لوزارته ولا لون ولا رائحة، فلا علاقة له بالإبداع ولا بالثقافة ولا وزارته نجحت في شحذ العقل المصري، فالتف حول افكار عصرية ليبرالية تواجه القبح الثقافي والتطرف الديني. وزراء كثر لهم علاقات وثيقة مع أباطرة الفساد في مصر، وكل هذا يحدث والشعب المسكين مازال ينتظر «فجر الضمير» الذي يبدد عتمة الظلم ويسحق الفساد ويعيد للنهر العتيد تدفقه وشفافيته!
بعد أن قرأت: كل الأحلام التي وضعت في شخص إبراهيم محلب، من حكومة «سبعة الصبح» إلي لحظة انسحابه والمجافي للبروتوكول من مؤتمره الصحفي مع نظيره التونسي تقول اننا نراهن دوماً على جيادٍ لا تعرف طريقها جيداً إلى مضمار السباق!