التهام سوريا وابتلاعها!
وسط أجواء ضبابية حول مصير سوريا؛ تبدو الصورة أكثر إظلاما مما كانت عليه من قبل، فنحن مقدمون على عملية التهام سوريا وابتلاعها وليس فقط تقسيمها. وعامة استراتيجيات التقسيم ليست جديدة بل هي محور سياسات واشنطن مع بروز تيار المحافظين الجدد، فهى تحلم بتحويل الشرق الاوسط الى مساحة بلا تاريخ ولا تراث يعيش بها أناس لا تربطهم ذاكرة تاريخية، فبعد مرور ما يقرب من خمسة أعوام على بدء الحرب في سوريا، مازال حلم القوى الغربية التهام سوريا؛ وتتولى تركيا دور القيادة في ترسيم الحدود منتهجين استراتيجية أوباما التي تعتمد على قاعدة توكيل الحلفاء الإقليمين بإدارة الملفات الإقليمية المشتركة، لتخفيف الحمل الاستراتيجي والاقتصادي والعسكري عن الولايات المتحدة الأمريكية.
هذه الاستراتيجية تقضي بأن تتولى دول مثل تركيا وقطر الملف السوري، بالشراكة مع واشنطن، مما يعني أن هذه الدول باتت شريكة في صنع القرار الأمريكي بخصوص هذا الملف، وخاصة تركيا التي تحتل ثقلاً كبيراً إقليمياً، يجعل واشنطن تقدّر أهمية الشراكة معها بصورة واضحة، وتركيا تعتبر تقسيم سوريا إرثا لن تستغنى عنه، وهي المنفذ اللوجيستي الرئيس للتدخل في الشأن السوري بصورة مباشرة، خاصة أن عصب الدين والمذهبيات التي تمت تغذيتها تسببت فى مأساة يستحيل معها استثمار المنطقة سياسياً واقتصادياً، بدون وجود عميل ووسيط متمثل فى تركيا؛ لأن الدخول وسط هذا الفيلق هو أشبه بعملية انتحار.
وبسبب الرغبة المميتة لالتهام سوريا وإمعانا في خداع الرأي العام العالمي،، لم تجد الولايات المتحدة غضاضة مؤخرا من تسويق فكرة «المخاطر التي تمثلها المساعدات الإنسانية الروسية لسوريا والتشكيك فيها وفي أهدافها»؛ وشحنت المجتمع الأوروبى ضدها. وهناك دراسة أعدها سونر جاجبتاي من معهد واشنطن وباراج خانا من مؤسسة أمريكا الجديدة تؤكد أن وقوع سوريا في الفوضى يشير إلى أن انشقاق وتقسيم البلد أصبح قاب قوسين أو أدنى؛ مع وقوع حرب طائفية شاملة بين العلويين والسنة وقيام توترات عرقية عنيفة بين العرب والأكراد، وبالتالى يتحقق السيناريو الأقرب إلى النموذج العراقي، حيث نشأت مناطق خاضعة لسيطرة شبه مستقلة. على الجانب الآخر يرى السفير فورد هو أن استمرار مشروع التفتيت يتطلب بقاء الأسد ليس كرئيس شرعي بل كزعيم ميليشيا تضمن استمرار الصراع وإشعال الحرب الأهلية.
ومن هذا المنطلق أجد أن المتبقي أمام السوريين هو ترتيب معركة لا بد منها مع القوى المتطرفة والعميلة .ويرى البعض أن فى حالة التقسيم ستظل حلب ودمشق مرتبطتين بسبب الروابط التجارية المتعادلة. وسينشأ معقل درزي متوسط في الجنوب، وينسحب العلويون، إلى معقلهم التقليدي في محيط مرفأ اللاذقية على البحر الأبيض المتوسط.. أما مصير المعاقل الكردية في سورية؛ فستظل عامل ضغط يدفع باتجاه إنشاء منطقة كبرى يسيطر عليها الأكراد ويتمتعون فيها باستقلالية تامة في النهاية إلى جانب حلفائهم في العراق، نتيجة لتمركز أكبر عدد من أكراد سورية في شمال البلاد، على طول المناطق الحدودية التركية، مع امتداد نقاط التمركز شرقاً نحو العراق.
وبالطبع يتطلع أكراد سوريا إلى تركيا بحثاً عن الدعم، ولا شك أنهم سيقدرون أهمية دور تركيا كقوة موازنة تتصدى للنزعة القومية العربية. إلى جانب التصدي لمحور إيران الشيعي - الذي يمتد حالياً من بغداد عبر نظام الأسد وإلى «حزب الله» في لبنان. وتمثل بلقنة سورية فرصة بالنسبة لتركيا تحدث مرة واحدة في قرن.
وبالطبع ستكون شركات البنى التحتية التركية من أبرز المستفيدين من الاستثمار في المنطقة الكردية في سورية في مرحلة ما بعد الأسد، والحصول على عقود ضخمة كما فعلت في كردستان العراق بعد صدام. وهذا ما سيجعل تركيا تتراجع عن معارضتها القديمة لأي استقلال كردي في المنطقة. وقد أشار قوميون أكراد إلي أن الوضع الراهن يشكل لحظة فارقة في تاريخ الأكراد. فقد يقلب الأكراد التحالفات التي سادت في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى رأساً على عقب، ولكنهم لا يستطيعون فعل ذلك من دون تركيا. وبالطبع الاعلام العالمى الموجه يلعب على وتيرة التقسيم وهذا ما قالته صحيفة «الجارديان» البريطانية من أن الحل العسكري للحرب السورية بات أمرا شبه مستحيل، ورجّحت أن يكون التقسيم هو حل الأزمة. وأن البلاد حاليا مقسمة فعلا بين جهات رئيسية ثلاث.. النظام والحر وتنظيم داعش وأن التطورات خلال الأشهر الأخيرة ترجح التقسيم حلا، لا سيما مع سيطرة الحر على مناطق استراتيجية هامة، أبرزها معبر نصيب وبصرى الشام في درعا وكامل إدلب، ومواصلة النظام انسحابه من مناطق واسعة لحساب داعش، آخرها تدمر، انسحاب وصفه الأسد في خطابه الأخير بالتنازل عن المهم من أجل الأهم.
وفى النهاية تبقى الحقيقة المؤكدة أن الأمريكيين عالقون في شرنقة إسرائيل، التى ترى أن مكسبها يتمثل فى مزيد من التمزق والانقسام؛ مع محاولة إشراك الدروز في دوامة طائفية، وتصعيد حالة الكراهية بين السنة والشيعة بسبب قتال إيران وحزب الله إلى جانب الأسد، وشغل السوريين شمالاً بفتنة كردية عربية، وتحالف النفط والغاز بين «داعش» وبقايا النظام كجزء من خطة إطالة عمر هذين الطرفين بعمليات إنعاش هدفها استنزاف سوريا وانتظار تهافت أطراف أخرى وإدخالها دوامة التفتيت .فليرحم الله سوريا من أولادها قبل أعدائها!