رأى الوفد
لتحمى الجماهير ثورتها
لا سبيل إلى الفصل بين البرلمان المقبل، بتشكيله وتوجهاته، وحقيقة ما يموج به المشهد السياسى من تفاعلات، وما يحتويه من قيم؛ ذلك أن البرلمان إنتاج لا يمكن أن يفقد صلته ببيئته الحاضنة؛ ومن ثم فنحن فى انتظار برلمان كاشف لكثير من الحقائق التى يحلو للبعض الالتفاف عليها، والقفز فوقها، وصولًا إلى مصالح ذاتية ليست هى الامتداد الطبيعى للطموحات الثورية التى اعتلت حناجر الجماهير فى ثورتى يناير ويونيو على التوالي.
غير أن الخطوة الثالثة والأخيرة من خارطة الطريق، والمتعلقة بالسباق البرلماني، لا تعد ترفًا يمكن الاستغناء عنه، أو تأجيله أكثر من ذلك؛ فدولة منقوصة الأركان الدستورية تعجز بالقطع عن النهوض بمسئولياتها فى مجابهة التحديات والمخاطر التى تحيط بها، مثلما تفقد الكثير من مصداقيتها على الساحة الدولية، وتبتعد كذلك عن القدرة على تجسيد آمال شعبها فى تحقيق نهضة تنموية شاملة يسترد بها موقعه التاريخى والصحيح بين الأسرة الدولية.
من هنا فإن خطوة البرلمان باتت ضرورة مُلحة، لا يقلل من أهميتها وجود فرص، غير قليلة، لبلوغ أعدائها مواقع مؤثرة فى إدارة شئون الدولة، من خلال احتلالهم مقاعد برلمانية يمكن أن تشكل مُنطلقًا لعودة الأنظمة الفاشية التى أسقطتها الإرادة الشعبية الحرة.
بيد أن تراجعًا عن الاستمساك بثورتنا لا ينبغى أن ينال من عزيمتنا إزاء ما حققه رموز نظام مبارك من تقدم داخل الصفوف الثورية؛ فثورة لم تفقد موقعها فى الضمير الوطنى الحر، لا يمكن العودة بها إلى الخلف، وإن أشار الموقف إلى صعوبة عملية التحول الديمقراطى فى صيغته المصرية المعاصرة.
وقد كان الاصطفاف الوطنى لدعاة الدولة المدنية، أملًا يملأ القلوب، خاصة بعد المنعطفات الخطيرة التى تعرضت لها المسيرة الثورية فى أعقاب تولى الجماعة الإرهابية الحكم، وهو أمل لم يستطع تجاوز الكثير من العقبات، البعض منها طبيعى مرده هشاشة الحياة السياسية بفعل تعاقب أنظمة على حكم الوطن لم تؤكد صلتها يومًا بقواعد العملية الديمقراطية؛ ومن ثم دخلت فى صراعات، غير متكافئة، مع الأحزاب باعتبارها روافد ديمقراطية بالأساس، فكان فى ذلك دلالة على ضعف الحياة السياسية كلها، بينما الاصطفاف الوطنى المدنى كان يتطلب قدرًا أعلي، غير متوفر، من الحنكة السياسية، يحول دون اختراقه من رموز فساد نظام مبارك.
وتبقى العقبات التقليدية، شائعة الانتشار فى عمليات التحول الديمقراطي، أبرزها الصراع بين القوى الثورية والقوى الرجعية الساعية إلى استعادة نفوذها وهيمنتها على الدولة، وهو صراع لا مفر منه، وإن كان فى التجربة المصرية يحمل الكثير من الدعم الثقافى الراسخ عبر عقود طويلة من تغييب الإرادة الشعبية عن دورها فى قيادة المجتمع، ومن هنا كانت الفرص المتصاعدة لرموز فساد نظام مبارك فى السباق البرلمانى المقبل.
وإذا كانت العقبات التقليدية للتحول الديمقراطى سمة لا يمكن محو أثرها، إلا أن عزمًا لا يلين، لا ينبغى أن يفتر فى مجابهة الثقافة السياسية الرديئة التى رسخت فى الشارع السياسى عبر عقود من الديكتاتورية.
ليكن السباق البرلمانى موعدًا لتحمى الجماهير ثورتها، فتصحح من ثقافتها السياسية، وترد عن مستقبل أجيالها قوى الرجعية، وإن اعتلت، عنوة أو غفلة، منابر الثورة.
«الوفد»