بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

الشهر العقارى وخدمة «الشورت»

كان حاكم هذه المدينة جباراً، يشعر أن الكون خلق لأجله فقط، ومن حقه امتلاك كل متاع الدنيا دون رعيته، كان يرى أنهم ولدوا فقراء فلا ضير أن يبقوا هكذا بلا حياة أفضل لأنهم اعتادوا على الفقر، يعتقد أن فى فقرهم غناه، وفى موتهم حياته، فكان يتجول، ويفتش فى رعاياه فإذا وجد لدى أى منهم شيئاً يعجبه، استولى عليه لنفسه، حتى رأى ذات يوم صياداً اصطاد سمكة كبيرة، فأعجب بها، واستولى عليها، وعاد الصياد الفقير لزوجته وأولاده حزيناً باكياً يدعو الله أن ينتقم من الحاكم الظالم، وفيما كان الحاكم ممسكاً بالسمكة، عضته فى أصبعه بقسوة، شعر بعدها بمرض شديد وبسم يجرى فى دمه، وأخبره طبيبه أن السمكة عضتها سامة ويجب بتر أصبعه لإنقاذه، وبالفعل بتر إصبعه، لكن السم كان قد وصل إلى ذراعه ويجب بتره، وأدرك الحاكم أن نهايته اقتربت، وتذكر مشهد الصياد الحزين بعد أن استولى على سمكته، وأدرك أنه دعا الله لينتقم له ممن ظلمه فاستجاب الله لدعائه، فهرول إلى الصياد وأخذ يطلب منه العفو، وأن يدعو له الله ليسامحه ونذر التوبة من الظلم إذا نجا، وبالفعل استجاب الله لدعاء الصياد، وشفى الحاكم وأعلن توبته عن ظلم خلق الله، ونذر باقى عمره لإقامة العدل، ومساعدة شعبه الفقير، فعاشت المدينة فى باقى عهده أجمل سنوات السعادة والرفاهية لأنه حقق العدل.

قصة طفولية كانت تحكيها لى أمى، تذكرتها وأنا أكمل لكم ما بدأته الأسبوع الماضى حول مأساة مكاتب الشهر العقارى اللاإنسانية، تذكرتها وأنا أقف بين صفوف البسطاء الغلابة فى أحد هذه المكاتب ضمن مجمع مكاتب الشهر العقارى النموذجى قرب المنيرة، هذه المكاتب تعمل على خدمة قصر النيل، مصر القديمة، السيدة زينب، الخليفة، وغيرها، كل مكتب أبشع من الآخر من حيث المساحة، القذارة، الأثاث والحوائط المتهالكة، الخدمات المتدنية والموظفين القلائل الذين يشخطون وينطرون فى المواطنين ويعلمونهم الأدب، الموظفون بهذا التجمع «اللانموذجى» للشهر العقارى يبدأون عملهم فى التاسعة والنصف، فيما يتكدس المواطنون من السابعة صباحاً أملا أن يصيبهم الدور «بدرى» ليوثقوا أوراقهم، بينما يصر مكتب الشهر العقارى الخاص بالسيدة زينب والخليفة أن يبدأ عمله فى العاشرة وعلى رأسهم مدير المكتب نفسه، بينما يعطون لأنفسهم إجازة كاملة يوم الخميس، واللى مش عاجبه يشتكى للوزير «وفقاً لهم» يتوافد الموظفون وبيد كل منهم كيس به ساندويتشات الفول، وبعد «قعدة» الإفطار وتبادل «الحكاوى» تهل أكواب الشاى من المقهى الخارجى، وبعد الشاى، يبدأون العمل بالتصوير «البطيء»، والويل لمن يتذمر من المواطنين المقهورين، سواء كانت سيدة مسنة لم تعد تقوى على الوقوف انتظاراً وكأنها تتسول على باب المكتب، دون أن تجد حتى مقعداً متهالكاً تستريح عليه، أو رجلاً معاقاً جاء من قرية بعيدة متوكئاً على عكازه، ليوثق لابنه توكيلا يقبض به معاشه، لأن مكتب التوثيق فى قريته مغلق بلا سبب معلن.

وأقارن بين ما انا وباقى المواطنين فيه من العذاب ومذلة الخدمة وتدنى التعامل معنا وساعات الانتظار التى تصل إلى 3 ساعات على الأقل لتوثيق ورقه، وبين الخدمة «خمس» نجوم التى تقدمها وزارة العدل عبر مكاتب التوثيق بالأندية الرياضية وببعض المؤسسات السيادية بالدولة، فمن المؤسف له أن الوزارة سحبت أعداداً من الموظفين بمكاتب الشهر العقارى العادية، ووجهتهم لخدمة المكاتب «خمس» نجوم لتقديم خدمات التوثيق إلى رواد الأندية، وهم فى أريحية وبملابسهم الرياضية من «شورت وفانلة وكاب»، أى خدمة التوثيق ذهبت إليهم وهم جلوس على حمامات السباحة يأكلون «الآيس كريم»، وبالتالى أثرت هذه الأعداد من الموظفين التى تم سحبها من المكاتب العادية وتوجيهها لخدمة أصحاب الشورتات، أثرت على كم وكيف خدمات مكاتب التوثيق لعامة الشعب، أى أن توفير الخدمة المرفهة لرواد الأندية جاء على «دماغ» البسطاء الفقراء المعقدين أصلاً من اتساع الفجوات الاجتماعية وغياب العدالة.

وحتى لا يعتقد أحد أنى «سماوية» وأنى أحقد على رواد الأندية وخدمة «الخمس نجوم» فى التوثيق، أعترف لكم أننى عضوة بأحد هذه الأندية، ولكن كما تقولون «وش فقر» وأحب العيش وسط أهلى وناسى العامة، وأختبر مرارة ما يقاسونه، حتى يكون مداد قلمى من معاناتهم، لا من برج عاجى يتاجر بآلامهم لزوم «الشو» الإعلامى، والمصيبة الأكبر أن تكلفة توثيق الأوراق لأصحاب الشورتات بالأندية عبر المكاتب «خمس نجوم» المكيفة، هو نفس قيمة التوثيق فى المكاتب العادية التى تقوم بإهانتنا وإذلالنا أمام أبوابها، أى يدفع الفقراء من وقتهم وحرق دمهم ثمن المزيد من رفاهية المرفهين، وليحرم الفقراء المزيد من حقهم فى المساواة بالخدمات الأساسية.

يا سيادة وزير العدل إن لم يطبق العدل من قبل وزارتك مع المصريين بلا تفرقة أو تمييز، فمن الذى سيطبقه، يا سيادة الوزير لا يمكن لسادة المدينة أن يحصلوا على كل شىء حتى دون دفع فارق، وأن يدفع لهم الفقراء ثمن هذه الرفاهية، يا سيادة الوزير إن الفقر هو الوجهة الأخرى لصور التمايز الاجتماعية واللامساواة وانعدام العدالة، ولا يمكن لوزارتكم أن تُعطي لمن يملك ليعيش في وفرة، وأن تحرم من لا يملك ليعيش فى مزيد من الكدر والعذاب، لا يمكن أن تسهم خدمات وزارتك فى زيادة الفوارق بين الأغنياء والفقراء، من حق البسطاء المساواة على الأقل فى الكرامة الإنسانية.. تلك التى تهدر على أبواب مكاتبكم بالشهر العقارى، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

[email protected]