رسالة حب
«هيكل» وحكام الخليج
لم يكن الخرف وحده سواء كان خرفًا سياسيًا أو خرفًا بحكم الزمن هو المؤثر الوحيد فى حوار الأستاذ هيكل مع طلال سلمان رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية.. ولكن كانت هناك مؤثرات أخرى دفعت بالحوار إلى الهاوية.. أول هذه المؤثرات هو البعد النفسى أو بمعنى أدق ما يكنه الأستاذ هيكل فى قلبه من مشاعر سلبية تجاه حكام الخليج.. وكلمة سلبية هى أخف تعبير يمكن استخدامه لوصف ما يكنه هذا الرجل لقادة وزعماء هذه الدول.
عاش الأستاذ هيكل أسيرًا لماض قبيح كان فيه الكاتب الأوحد فى زمن الزعيم الملهم.. عاش فى زمن القهر والذل والديكتاتورية.. زمن الحاكم السفاح الذى لا يعرف الرحمة.. عاش هيكل مع هؤلاء فترة من الزمان ووجدوا فيه ضالتهم وكان هو نفسه يتباهى بعلاقته بهم، وظل الأستاذ هيكل حتى وقت قريب يصدع رؤوسنا بحكايات وحوارات ولقاءات مع هؤلاء الحكام، بدءًا من حافظ الأسد وانتهاء بالعقيد معمر القذافى.. لا يمل الأستاذ هيكل من الحديث عن تفاصيل اللقاءات التى جمعته بهم، ولا عن الظروف التى أحاطت بتلك اللقاءات من إرسال طائرة خاصة لنقله إلى قصور هؤلاء الحكام.
الغريب أن الأستاذ هيكل ظل يروى قصصًا وحكايات مستفزة عن هذه اللقاءات، وجعل من نفسه فيلسوفًا ومفكرًا ومصلحًا وأنه أصيب بالملل من مقابلة هؤلاء الرؤساء، وأنه قال لأحدهم مرة.. لقد جلسنا منذ سنوات فى نفس المكان.. ودار بيننا نفس الحوار.. ولا شىء يتغير!!
مثل هذه الشخصية ـ شخصية هيكل ـ لا تجد قبولاً عند حكام وقادة الخليج.. لأنهم نوعية مختلفة من الحكام.. وعلى الجانب الآخر وجد هيكل عند حكام الملالى ما كان يتمناه ويرضى غروره.. ومن هنا جاء حواره مع جريدة «السفير» ليقطر سموما ضد الخليج ويحاول النيل من قادته، ويروج لنظرية الخوف والاستسلام من البرنامج النووى الإيرانى، متجاهلًا الحقائق التى تكذب ادعاءاته.. وعلى النقيض جعل من حكام إيران من الخمينى حتى خامئنى قادة لا يتكررون فى قوة الشخصية وموهبة الحكم.. حتى أنه يتباهى بأنه حاور الخمينى وأنه على علاقة وثيقة برفسنجانى وخاتمى الذى زاره فى القرية التى يملكها «ببرقاش»، والغريب أن هذه العلاقة الوطيدة امتدت إلى الشاه وشقيقه!! ولم يتوقف الأمر عند القادة..بل امتد إلى الشعب والبلد.. فلم يخف هيكل انبهاره بإيران، حيث قال فى حوار جريدة «السفير»: فى إيران هم قادرون على أن يفهموا ما يجرى فى العالم ومن حولهم وأن الثورة الإيرانية استطاعت أن تأخذ ثوابت الثقافة والحضارة الفارسية.. هناك أمة كانت تتقدم واستمرت فى ذلك!
ويبدو أن طريقة تعامل حكام الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية خلقت عقدة عند هيكل.. حتى أنه اتهم القادة الجدد فى المملكة محمد بن نايف ومحمد بن سلمان بالكبر حيث قال فى حوار جريدة «السفير»: جيل الصغار متكبرون ويأخذهم غرور القوة..
أتفهم أن يصف هيكل الملك سلمان أو الملك فهد أو الملك فيصل بأى أوصاف يراها لأنه ببساطة عاصرهم منذ أن كانوا أمراء حتى أصبحوا ملوكًا.. أما أن يتحدث عن جيل جديد لا يعرفه فهذا أمر غير منصف.. لأن الجيل الجديد الذى يتزعمه محمد بن نايف وسلمان الابن لم يصل إلى ولاية العهد إلا منذ شهور قليلة، وهى فترة غير كافية فى الحكم عليهم، فضلاً عن أن تلك الفترة التى صعد فيها الجيل الجديد شهدت انفصال الأستاذ عن الواقع بحكم الخرف الذى أصابه والعمر الذى بلغ أرذله.. فكيف له أن يحكم بما لا يعلم؟ هذه واحدة.. أما إذا فرضنا صحة ما ذهب إليه فإننى أعتقد أن هذا نابع من تجاهلهم له وعدم دعوته إلى الرياض على متن طائرة ملكية خاصة كما كان يفعل حكام الزمن البغيض الأسد والقذافى.. وما كان للجيل الجديد أن يفعل هذا لأنهم امتداد للجيل القديم الذى ورث أبناؤه العزة والكرامة والفراسة فى كشف الزيف والخداع.
يا أستاذ هيكل لم يعد الزمن زمنك.. وربما تخدع بعض الناس بعض الوقت.. ولكنك لن تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت.. فأما الزبد فذهب جفاء.. وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض.