مكلمخانة
المصلحة العامة قبل أرباح «البازارات»
«يقومون باستيراد منتجات زهيدة الثمن، ورديئة الصنع»، هكذا لخص المهندس هشام الجزار وكيل المجلس التصديري للصناعات اليدوية مشكلة الذين يتاجرون في بازارات سياحية، ويرسلون الشكاوي يعلنون تضررهم من قرار استيراد الصناعات اليدوية حفاظاً علي التراث المصري!، ويفسر المهندس «الجزار» أسباب سيل الشكاوي بأن القرار قد جاء متعارضاً مع مصالح أصحاب البازارات الذين يستوردون الرخيص من البضائع رديئة الصناعة!، لكن «الجزار» أكد ضرورة تنفيذ القرار مهما تعارض مع مصالح الآخرين، ودلل «الجزار» بأن دولة الأردن- وهذا مثال- تفرض علي المحلات والبازارات الالتزام بنسبة لا تقل عن 70٪ من الصناعة المحلية، بالإضافة إلي وضع البضائع المستوردة في جانب بعيد داخل المحل، مع بيانها انها بضاعة مستوردة!، ثم أعاد «الجزار» التأكيد علي أن القرار كان صائباً للحفاظ علي التراث رغم كونه قراراً صعب التنفيذ، بسبب وجود اتفاقيات دولية مع عدة دول، وأشار إلي أن أثار القرار لم تظهر بعد سوي في منتجات فوانيس رمضان هذا العام، والتي اتضحت في زيادة المعروض من المنتجات المصرية، وإيجاد الحافز للصانع المصري لانتاج سلعة جيدة.
وعندما طالعت ما نشرته «الوفد» أمس وأشرت إليه في بداية المقال كان في ذهني أن هناك قاعدة قد استقرت عند من يستوردون بضائع أجنبية- خاصة من الصين، بالبحث عن البضاعة زهيدة السعر مهما كانت مستويات صناعتها وكفاءة استخدامها خاصة إذا كانت للاستخدام المعمر!، ولعل هذا يتجلي في الأدوات الكهربائية المعدة للاستخدامات المنزلية البسيطة، فقد أصبحت هذه الأدوات في المنازل المصرية أشبه ببقايا معطلة، حيث تستورد رخيصة من الصين ومعها شهادات بالجودة والصلاحية من بلد المنشأ،- وهذه شهادات ألغي وزير الصناعة منير فخري عبدالنور وقف العمل بها، بحيث لا تختبر الصلاحية ودرجة الجودة إلا داخل مصر من خلال لجان حكومية معتمدة في الجمارك والموانئ المختلفة، وقبل أن ينفذ هذا القرار. كان الذين يستوردون هذه الأدوات يعتبرونها أكثر ربحية لهم من مثيلها عالي الجودة والثمن!، فهذه البضائع المستوردة زهيدة الثمن فاقدة الجودة عند الاستخدام يشتريها المستوردون بأسعار بالغة الرخص!، حتي إذا باعوها في الأسواق المصرية بسعر يحددونه كان هامش الربح فاحشاً بالنسبة لهم!، وهذا مثال بسيط لكيفية تحايلات المستوردين وصراخهم من القرارات التي ترحم المستهلك المصري أولاً، ثم هذا السائح الذي يأتي إلي مصر ويريد العودة إلي بلاده حاملاً شيئاً مصرياً يعبر عن التراث المصري اليدوي، وهو يفضل ذلك حيث لم يأت إلي مصر ليشتري مستوردات معبرة عن تراث بلدان أخري سيشتري منها السائح إذا ذهب إليها، وأظن أن تجار البازارات السياحية يعرفون جيداً أن مصالحهم لن تكون فوق المصالح المصرية التي هي مصالح عموم الناس!، وانه لا مانع من أن يربحوا ربحاً معقولاً فهذا حقهم من خلال تجارتهم السياحية، ولكن هذا الحق لا يعني سحق البضائع التراثية المصرية المعبرة عن صناعات من العلامات البارزة علي تراث الصانع الشعبي المصري!، وقد أغرت قرارات وسياسات عقيمة بنا كل البلدان- خاصة البازغة في النشاط الصناعي لمحاكاة صناعاتنا التراثية!، حتي اننا نفاجأ بصناعات تراثية بسيطة قد جري تقليدها حرفياً، ولكنها تخلو من روحها المصرية وبصمة الصانع المصري الذي كادت مهارته أن تندثر تحت وطأة تقديم مصالح أفراد قبل مصالح فئات تشكلت مواهبها عبر تاريخ طويل، وتكاد أن تتوقف عن الاستمرار!، وهذا ما بدأت سياساتنا وقراراتنا تنتبه إليه حرصاً علي الصالح المصري العام.