رأى الوفد
الوجه الحقيقى للثورة
قطعاً لا سبيل إلي الوثوق في صدق تعبير البرلمان المقبل عن جوهر الثورة المصرية. بيد أنه دال بالفعل علي كثير من مجريات الأمور علي الساحة الداخلية، شكلت إجمالاً ما واجهته عملية التحول الديمقراطي في مصر من تحديات ومعوقات.
فليس من شك أن تغلغلاً لنظام مبارك إلي أروقة البرلمان، لم يعد يتم سراً، ولم يعد كذلك في حاجة إلي مبررات تستدعي الترويج لمفاهيم واسعة من حيث «المواطنة» وما تتيحه من أولوية لكثير من المشتركات الوطنية، لتختفي بداخلها شتى الأدوار المُسيئة التي نهض بها رموز نظام مبارك وأفسدوا بها الحياة السياسية علي مدى عدة عقود، لم تفلح الثورة بعد في التطهر منها علي نحو كاف.
وعلي نفس النهج، لن يخلو البرلمان المقبل من «تمثيل ما» للجماعة الإرهابية عبر شخصيات تقبع في صفوفها الخلفية، من غير المعروفين بانتماءاتهم الإخوانية، ما يشير إلي إخفاق لا يمكن إنكاره في مجال الكشف عنهم أمام الرأي العام، باعتبارهم خلايا نائمة بالغة الخطورة إذا ما نجحت في المرور عبر بوابات البرلمان لتعتلي منبر السلطة التشريعية، فتصدر للعالم خيارات الشعب المصري، وحقيقة توجهات الرأي العام.
فإذا ما تشكل البرلمان المقبل علي هذا النحو، دل ذلك علي طول المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد في سبيلها إلي اجتياز عملية التحول الديمقراطي، وباتت الشكوك مشروعة تحيط بكل موعد نضربه لبلوغ الأمل الثوري بترسيخ نظام ديمقراطي حقيقي، يتبني كافة القيم والقواعد الديمقراطية التي ما عادت محل جدل في المجتمعات المتقدمة، وإن بقيت مضطهدة في الدول غير الديمقراطية، ومثار مساومات ومزايدات في الدول الساعية نحو الديمقراطية.
في هذه الأثناء، يتطلع المشهد الداخلي إلي البرلمان الجديد بكثير من الآمال المحفوفة بالشكوك؛ إذ تبدو التركة التشريعية عبئاً ثقيلاً علي كاهل البرلمان المقبل؛ فإزاء الاختصاصات الرحبة للبرلمان المقبل كشريك أساسي في الحكم، تبدو المسئولية التشريعية حاكمة لمسار الدولة بين رؤى ثورية تتبني طموحات الشعب، وأخرى تلتزم قواعدها الرجعية العتيقة تلبي نداء الماضي البغيض.
وهنا لا ينبغي أن نهدر ما تشير إليه التجارب الدولية في هذا الشأن؛ فكم من ثورات جسدتها انتخابات برلمانية؛ حتى قيل إنها «ثورات انتخابية»، إذ شكلت اختيارات الشعب تحولاً جذرياً بالفعل جسد مفهوم الثورة. كذلك ليس بعيداً عن أداء برلماني يلتزم صحيح الممارسة الديمقراطية يمكن الترويج لصحة المسار السياسي للثورة.
وعليه فليس الوجه الحقيقي للثورة إلا البرلمان.
«الوفد»